لغة الحرب - الياس خوري (القدس العربي)
نشرت صحف 'الهيرالد تريبيون' و'الواشنطن بوست' و'وول ستريت جورنال'، يوم الجمعة 16 نيسان/ابريل 2010، مقالا للسيد ايلي فيزيل عن القدس. يأتي المقال في سياق الضغط على الادارة الامريكية كي يتم سحب قضية الاحتلال الاسرائيلي وبناء المستوطنات اليهودية في القدس الشرقية، من التداول.
اللافت في المقال انه يستند في الأساس الى معطى ايدولوجي يقوم بتسخير الديني والغيبي بهدف تزوير الوقائع كي تتناسب مع المركزية الاوروبية التي ينطلق منها من جهة، وكي تحجب واقع مصادرة البيوت العربية وهدمها، في المدينة المقدسة، من جهة ثانية.
يبدأ السيد فيزيل، الحائز على جائزة نوبل للسلام، والمدافع العنيد عن اسرائيل، مطالعته بالعودة الى التوراة، كي يقول لنا ان القدس ذكرت ستمئة مرة في التوراة، بينما لم تذكر في القرآن مرة واحدة! لا ادري لماذا تناسى الكاتب احصاء المرات التي ذكرت فيها المدينة في الانجيل، كأنه يريد ان يتجنب الاشارة الى التاريخ الدموي الطويل للحروب الصليبية، او كأنه اصيب بفقدان الذاكرة كي يتحاشى الاشارة الى الاضطهاد والمذابح التي تعرض لها اليهود خلال تلك الحروب.
يضع فيزيل جوهر مطالعته في النص التوراتي. لن اسأله لماذا تناسى حكاية الاسراء والمعراج القرآنية، ولا اذا كان يعلم عمق الدلالة الروحية والادبية لهذه الحكاية، التي القت بظلالها على الادب من 'الكوميديا الالهية' لدانتي الى 'رسالة الغفران' للمعري.
بل سوف اتوقف عند الافتراض الديني لأسأل، عن معنى التلاعب السياسي بالمقدس.
فاذا كان المقدس هو المرجع فلا معنى للاحصاء، ففي المقدس تنتفي النسبية التي تحتم اللجوء اليه. يكفي ان تكون القدس عند المسلمين ثالث الحرمين حتى نكون في المطلق الذي لا يستطيع المؤمنون التنازل عنه.
بهذا المعنى فان المقال، يدعونا الى العودة الى لغة القرون الوسطى، والى المطلق الديني الذي يصنع مطلقا سياسيا يقود الى حروب بلا نهاية.
لا اجد اي معنى للدخول في الجدل اللاهوتي اليهودي والمسيحي والاسلامي حول القدس. هل هي اورشليم الأرضية ام اورشليم السماوية. لأن السيد فيزيل يتبنى في شكل واضح لا التباس فيه المنطق الصهيوني الذي جعل الدين في خدمة مشروع قومي كولونيالي، ولم يتنبه الى ان هذه اللعبة بدأت تنقلب على العلمانيين في اسرائيل نفسها، في ظل الهوس الديني العنصري الذي يجتاح العالم.
غير ان المقال يحمل مشكلات اخرى، ويسمح لنا بطرح ثلاثة اسئلة:
السؤال الأول هو حول المدينة نفسها، عندما يتكلم فيزيل عن القدس ويشير الى مؤسسها الملك داوود، فهل يقصد قدس داوود ام يقصد القدس الكبرى؟ فالقدس الكبرى، بحسب التخطيط الاسرائيلي لها تضم ثلث اراضي الضفة الغربية، اي انها تتوغل عميقا في الاراضي الفلسطينية المحتلة لتمتد من رام الله شمالا الى الخليل جنوبا، ومن اريحا شرقا الى بيت شمش غربا.
هل يعتقد السيد فيزيل ان العلاقة الروحية بين اليهود والقدس تشمل هذه المدينة التي تتوسع عبر مصادرة اراضي سكان البلاد الاصليين من الفلسطينيين وهدم منازلهم؟
ثم اذا كانت القدس موئلا روحيا فماذا عن الخليل حيث قبور البطاركة، وماذا عن نابلس؟ المنطق الديني الغيبي لا حدود له، وهو يعني شيئا واحدا، استمرار الاحتلال الى ما لا نهاية. وهنا لا يعود امام اسرائيل من خيار سوى التطهير العرقي كي لا تتحول الى دولة ابارتهايد. وهي ممارسة سبق لاسرائيل ان قامت بها عام 1948، وشكلت خطيئتها الاصلية بحسب دومنيك فيدال. هل ستكون اسرائيل قادرة على احتمال خطيئتين اصليتين؟
هل هذا هو السلام؟
وماذا لو انتصر المنطق نفسه عند الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وقالوا بالحقيقة المطلقة التي يدعو اليها دينهم؟
هل يعني ذلك ان الشرق الأوسط يجب ان يعيش مئة سنة اخرى من الحروب والمآسي والدمار، قبل ان تبرد الرؤوس الحامية؟
السؤال الثاني ويتعلق بالتاريخ. فالسيد فيزيل في معرض كلامه عن علاقة اليهود بالمدينة، يقول ان اليهود منذ اتخاذ الملك داوود للقدس عاصمة لمملكته اقاموا في المدينة داخل الاسوار باستثناء فترتين: عندما منعهم الرومان من دخول المدينة، وعندما كانت القدس تحت الاحتلال الاردني.
لن اسأل السيد فيزيل هل الاقامة في القدس تعني الهيمنة السياسية عليها؟ فهذا سؤال لا يحتاج الى اجابة لأن من له المام بالتاريخ يعلم ان الاقامة لم تكن جزءا من السيادة اليهودية على المدينة المقدسة، التي عاشت ثلاثة عشر قرنا تحت حكم الدول العربية والاسلامية المختلفة.
لكنني سوف اتوقف عند مغالطة تاريخية ما كان لمثقف يحظى بالسمعة الدولية التي للسيد فيزيل ارتكابها. اذ تناسى مرحلة الهيمنة الصليبية على المدينة، التي امتدت حوالي قرنين من الزمان. فبعد المذابح التي ارتكبتها الجيوش الافرنجية ضد اليهود والمسلمين والمسيحيين الشرقيين، منعت اليهود من دخول المدينة. ولم يسمح لهم بالعودة اليها الا بعدما اعادها صلاح الدين الى السيادة العربية الاسلامية.
هذا التناسي ليس بريئا، فالسيد فيزيل، وهو الاختصاصي في المحرقة التي ذهب ضحيتها ستة ملايين يهودي في اوروبا، يعرف جيدا ان احد جذور اللاسامية يعود الى مرحلة الحروب الصليبية. لكنه في غمرة التماهي الذي صنعته الحركة الصهيونية مع القومية الاوروبية، لا يستطيع ان يتذكر هول المذابح الصليبية في حق اليهود. انها مفارقة تدعو الى العجب، اصحاب فكرة التمسك بالذاكرة يصنعون النسيان، في عملية حشد التأييد الغربي للاحتلال الاسرائيلي.
اما السؤال الثالث الأكثر خطورة فيتعلق برده على بعض وسائل الاعلام مؤكدا انه يحق لليهود والمسيحيين والمسلمين بناء المنازل في اي مكان يشاؤونه داخل المدينة.
هل يعلم السيد فيزيل مثلا ان 44 في المائة من اراضي القدس الشرقية التي تعود ملكيتها للفسطينيين تم اعتبارها بحسب التخطيط الاسرائيلي مناطق مفتوحة وخضراء، بهدف خنق امكانية اي تطور عمراني للفلسطينيين في المدينة، وان بعض هذه 'المناطق المفتوحة والخضراء' جرى استخدامها بعد ذلك لبناء المستوطنات اليهودية كالتلة الفرنسية ورامات اشكول وجيلو واخيرا منطقة جبل ابو غنيم التي اطلق عليها اسم 'هار حوما'؟
وهل يعلم ان 32 في المائة من الفلسطينيين المقدسيين اضطروا الى تغيير اماكن اقامتهم بسبب بناء جدار الفصل العنصري الاسرائيلي، وان 10.2' من الاسر الفلسطينية في القدس فقدت جزءا من املاكها بسبب الجدار؟ وهل سمع بحكايات الشيخ جراح حيث يتظاهر فلسطينيون واسرائيليون وناشطون دوليون لوقف هدم البيوت ومصادرتها، والبستان، وسلوان والى آخره من حكايات العذاب اليومي بهدف طرد الفلسطينيين من المدينة التي ولدوا فيها.
البيوت تهدم والسيد فيزيل يعظ بأنه يحق للفلسطينيين بناء البيوت في المدينة المقدسة!
الحوار مع دعاة الحرب الذي يلبسون ثياب الحملان الوديعة، ويلجأون الى الغيب كي يبرروا واقعا احتلاليا لم يعد قادرا على تمرير ادعاءاته، مستحيل. فلغة الغيب الديني حين تستخدم لتبرير الاحتلال وتحويل حياة السكان الاصليين جحيما عبر وضعهم في اقفاص جدار الفصل العنصري، تصير لغة تقطر دما.
ومثلما صرخ داوود في مزاميره: 'نجنا من الدماء يا الله'، فاننا نصرخ طالبين النجاة من لغة تقتل فينا انسانيتنا وتحولنا ضحايا حوش يهيمنون على ملعب التاريخ المصاب بلوثة المطلقات.