منطق الاستراتيجية الإسرائيلية - ناصيف حتي (المستقبل)
يعقد مؤتمر مراجعة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية هذا الشهر في نيويورك (3 ـ 28 أيار) و"تحكم" مساره امور خمس اساسية: أولاً، فشل مؤتمر المراجعة السابق المنعقد عام 2005 في التوصل الى قرار توافقي شامل حول الأمور المطروحة حينذاك لتعزيز اهداف المعاهدة ومصداقيتها، وهي تندرج تحت عناوين ثلاثة تشكل الركائز الاساسية للمعاهدة التي دخلت حيز التنفيذ في مارس/آذار 1970: منع الانتشار، نزع السلاح النووي، والاستعمال المدني للطاقة النووية، مما يضع ضغطاً مضاعفاً على المؤتمر الحالي للتوصل الى النتائج المرجوة التي تقع تحت العناوين الثلاثة. ثانياً، التغيير في الاستراتيجية النووية الاميركية التي أعلن عنها الرئيس الأميركي عشية مؤتمر واشنطن الشهر الماضي وفي ظل دعوته الى اقامة عالم خال من اسلحة الدمار الشامل واعلان واشنطن بشكل مفاجئ عن حجم ترسانتها النووية حاليا والانخفاض الكبير لهذه الترسانة، اي بنسبة 85% مقارنة مع ما كانت عليه عام 1967 في خضم الحرب الباردة. ثالثاً، انتقال مصادر الخطر النووي من المصادر التقليدية او الدولتية الى مخاطر الأطراف والمنظمات الارهابية الأمر الذي يغير في طبيعة المخاطر ويسقط العديد من القيود التي تحكم العلاقات بين الدول بشأن اللجوء الى السلاح النووي مما يزيد التحديات لبلورة تعاون دولي فعال وواسع للتعاطي مع هذا الخطر الجديد. رابعاً، مسألة النووي الايراني بشكل خاص والكوري الشمالي ايضا، والمسألة الأولى ستهيمن من دون شك، كما ظهر منذ اليوم الأول ومن خلال المواجهة الدبلوماسية الاميركية الغربية مع ايران، على أعمال المؤتمر. خامساً، الموقف العربي الذي تطرحه مصر بشكل خاص باسم الدول العربية وبصفتها الحالية كرئيسة لحركة عدم الانحياز بشأن اقامة شرق اوسط خال من اسلحة الدمار الشامل العام القادم. وتدعو ورقة العمل التي قدمتها مصر مؤتمر المراجعة لدعم البدء بمفاوضات حول اقامة شرق أوسط خال من اسلحة الدمار الشامل العام القادم، وهذه النقطة التي يمكن اختصارها بعنوان النووي الاسرائيلي نقطة شبه دائمة على أجندة المؤتمرات الدولية لمراجعة معاهدة حظر انتشار السلاح النووي وتزداد اهمية هذا العام في ظل اثارة الولايات المتحدة للملف النووي الايراني مع التذكير بالفارق الأساسي بين الملفين: بين قوة نووية عسكرية قائمة من جهة، وبين اتهام قوة أخرى بأنها تتطلع لتحويل القدرة النووية المدنية التي تبنيها الى قدرة نووية عسكرية من جهة اخرى.
ما يزيد أهمية المؤتمر على الصعيد العربي ومن حماوته الورقة الاميركية الروسية المشتركة التي سلمت للطرف العربي قبل بدء اعمال المؤتمر والتي طرحت ضرورة التوصل الى السلام الشامل بين العرب وإسرائيل قبل إقامة شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل وقبل "فتح" الملف النووي الإسرائيلي وانضمام إسرائيل الى المعاهدة، باعتبار أن العنصر الأول يسهل حصول الأمر الثاني كما أن الورقة ذهبت أبعد من ذلك بالطلب الى الدول العربية الالتزام باتفاقات إزالة الأسلحة البيولوجية وأيضاً الأسلحة الكيمائية وحظر إجراء التجارب النووية وكل ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل قبل الولوج الى الملف النووي الإسرائيلي. عنصر المفاجأة في هذا الطرح أنه يأتي ليناقض القرار الذي اتخذه مؤتمر المراجعة عام 1995 والذي دعا بالتوافق في قرار حول الشرق الأوسط الدول كافة في المنطقة الى الانضمام الى اتفاقية نزع أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط. وللتذكير فإن المشروع حينذاك كان قد تقدمت به كل من الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية وبريطانيا وكان بمثابة جزء من إنجاز توافق مع الدول العربية ودول عدة اخرى تنتمي الى عدم الانحياز كانت تحذر من الانتشار الأفقي وكانت تتحفظ عن اعتبار الاتفاقية مفتوحة في الزمان كما طرحت الولايات المتحدة ومعها الدول الكبرى الأخرى هذا الأمر ما دامت إسرائيل خارج المعاهدة. فجاء ذلك ضمن توافق القبول بالاتفاقية في إطار زمني مفتوح مقابل القرار بشأن الشرق الأوسط. وللتذكير أيضاً فلقد جرى تأكيد هذا القرار مرة أخرى في مؤتمر المراجعة للمعاهدة عام 2000 مع الإشارة أيضاً الى دعم أهداف عملية السلام واعتبار أن جهود السلام تساهم في إقامة شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل.
مخاطر هذا الموقف الذي قدم الى العرب أنه لا يشكل تراجعاً عن قرار سابق اتخذه المؤتمر فحسب ولكنه يقلب الأمور رأساً على عقب ويندرج بذلك كلياً في منطق الاستراتيجية الإسرائيلية الذي يلمح الى أن بحث الملف النووي الإسرائيلي يمكن أن يتم بعد التوصل الى السلام. وفي هذا الإطار من المفيد الإشارة الى قول لشيمون بيريس غداة التوصل الى اتفاق إعلان المبادئ الفلسطيني الإسرائيلي في أوسلو، وما يعنيه النووي في الاستراتيجية الإسرائيلية، "إنه لولا النووي لما حصلت أوسلو". كما أن مخاطر هذا الطرح أنه يأتي في ظل الانسداد الكبير في عملية السلام رغم الحديث مجدداً عن العودة للمفاوضات غير المباشرة ذات النتائج المعروفة سلفاً في ظل موازين القوى القائمة وبالأخص في ظل وضوح الموقف الإسرائيلي المتمسك بالوضع الاحتلالي القائم على الأرض ومحاولة تعزيز هذا الوضع القائم. والمثير للأمر أيضاً أن هذا الموقف الأميركي الروسي يأتي بعد إعلان الرئيس الأميركي في أكثر من مناسبة أن على إسرائيل الانضمام الى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وعن وجود أكثر من دعوة أميركية وغربية مختلفة لإسرائيل للاعتراف بما هو معروف عن وضعها النووي العسكري.
بعض الأوساط الغربية تحاول تبرير ذلك بالقول أنها سياسة تهدف الى طمأنة إسرائيل و"تسليفها" هذا الموقف لتشجيعها على الولوج في عملية السلام من جهة ولتقييدها عن اللجوء الى مغامرة عسكرية ذات نتائج كارثية ضد إيران، لكن أياً كانت هذه التبريرات فإن هذه المواقف تقدم أمثلة مضافة على سياسة الكيل بمكيالين بشكل مفضوح والأهم من ذلك على الصعيد العملي أنها لا تساهم في تعزيز المبادئ والأسس والركائز التي تقوم عليها معاهدة حظر الانتشار النووي لا بل تضعف وتهدد هذه، والأخطر أنها تساهم في تأكيد إسرائيل ان الحفاظ على ميزان قوى عسكري يميل لمصلحتها كلياً بواسطة النووي ويسمح بأن تدعم سياسة الاحتلال وتحميها. ويرى أكثر من مراقب، باعتبار أن القرار الصادر عن مؤتمر المراجعة يتخذ دائماً بالتوافق الكامل، أن أفضل ما يمكن أن يصل إليه هذا المؤتمر هو قرار ضبابي عام من دون أي مضمون يقوم على تكرار مبادئ أساسية في أفضل حال أو أن مصيره قد يكون مثل مصير مؤتمر 2005 من دون أي نتائج.