إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

هكذا يواجه نصرالله في بيئة "حزب الله" ظواهر الفساد والاستهلاك و"رجال الاعمال" - قاسم قصير (النهار)

بعد انتصار الثورة الاسلامية والايرانية عام 1979 وقبل نشوء "حزب الله" عام 1982 عمدت الاوساط الاسلامية اللبنانية المؤيدة للثورة (اللجان الاسلامية والاتحاد اللبناني لطلبة المسلمين) إلى ترجمة ونشر كتاب للامام الخميني عنوانه "الجهاد الاكبر" صدر عن الدار الاسلامية في بيروت. وكان الهدف من اصدار هذا الكتاب التأكيد على أهمية معركة تربية النفس والبناء الداخلي بعد تحقيق الانتصار السياسي أو العسكري وذلك انطلاقا من مضمون قول للرسول محمد (ص) بعد فوزه في إحدى المعارك "الآن انتهى الجهاد الاصغر وبدأ الجهاد الأكبر".
واليوم بعد عشر سنوات من الانسحاب الاسرائيلي من لبنان (25 أيار 2000) وتحول "حزب الله" والمقاومة الاسلامية الى المعركة الدفاعية بعد تحرير معظم الاراضي المحتلة والاسرى، اين اصبحت معركة "حزب الله" الداخلية؟ وكيف يواجه امينه العام السيد حسن نصر الله التداعيات الثقافية والاجتماعية لتراجع الفعل المقاوم؟ وما مدى صحة ما يقال عن معركة كبيرة يخوضها ضد حالات الفساد داخل بيئة "حزب الله" والبيئات القريبة منه ولا سيما بعد ما سماه نصر الله "المصيبة" التي وقعت من جراء قضية رجل الاعمال القريب من الحزب الحاج صلاح عز الدين؟

الخطر الاكبر
يقول احد قيادي "حزب الله" البارزين: "ان التحدي الذي يواجهه الحزب واية حركة اسلامية جهادية ليس العدو الخارجي سواء كانت اميركا او اسرائيل، بل الاغراء الداخلي والانشغال بالحصول على المكاسب السياسية او الاجتماعية او المادية في ظل تراجع الدور المقاوم للحزب او الحركة".
ويضيف هذا القيادي: "ان التضحيات التي يمكن ان يقدمها الحزب او المقاومة الاسلامية في الصراع مع اسرائيل تبقى اقل مما يمكن ان يتعرض له الحزب من تحديات ومواجهات على الصعد الثقافية والاجتماعية والمادية والسياسية، وخصوصا في ظل تغير دور المقاومة".
هذه المقولة التي يطرحها القيادي برزت بوضوح في اجواء الحزب في مرحلتين اساسيتين: اولا في السنوات التي تلت التحرير ومن ثم بعد حرب عام 2006 وصولا الى اليوم. ورغم ان المقاومة الاسلامية استمرت في العمليات ولو كانت محدودة ما بين 2000 و2006 والحرب الكبرى التي خاضتها في تموز 2006 وهي مستمرة اليوم بالاستعداد والجهوزية لمواجهة اي حرب مقبلة قد يشنها العدو الصهيوني، فإن البيئة الاجتماعية والثقافية القريبة من الحزب شهدت تحولات كبرى خلال السنوات العشر الماضية، ولعل أبرزها المشاركة الكبيرة للحزب في القضايا الداخلية سواء عبر المجالس البلدية او مجلس النواب وصولا الى الحكومة، بالاضافة الى تشكل شبكة كبيرة من المصالح الاقتصادية والمادية التي تتم ادارتها من رجال اعمال وشخصيات قريبة من الحزب، اضافة الى الامكانات المادية التي توافرت في هذه البيئة ولا سيما بعد حرب عام 2006 سواء من جراء التعويضات الخاصة بالاعمار او التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتي ادت الى نمو كبير في قطاع الاعمار والقطاعات الاستهلاكية والسياحية وخصوصا المطاعم والمقاهي والتعاونيات ومحلات الالبسة والكماليات.

مظاهر سلبية
وفي موازة المتغيرات الحاصلة على صعيد دور المقاومة ونمو القطاعات الاستهلاكية في البيئات القريبة من المقاومة بدأ يبرز العديد من المظاهر السلبية في هذه البيئات، وهي تتنافى مع الاخلاقيات والاسس التي قام عليها الحزب في سنوات التأسيس ولا سيما ما يسمى "ثقافة التكافل والتعاون" والابتعاد عن مظاهر الرفاهية والتركيز على البناء الاخلاقي والثقافي، واعطاء الاولوية لبناء العناصر وعدم القبول بادخال اية عناصر لا تتمتع بصفات مميزة الى اجهزة الحزب والمقاومة.
ففي السنوات الاخيرة بدأت تبرز ظاهرة "رجال الأعمال" الذين يستفيدون من بعض الخدمات الخاصة التي تؤمنها لهم علاقتهم الخاصة بالبيئة القريبة من الحزب، كما ان بعض مظاهر الرفاهية بدأت تمتد الى داخل هذه البيئة وهي تتمظهر بالعديد من الاشكال كالسيارات الفخمة والشقق والفيلات ونوعية الالبسة و"الايشاربات"، اضافة الى بروز طبقتين متمايزتين داخل هذه البيئة، الاولى تتمتع بامكانات مالية كبيرة والثانية تعيش بالحد الأدنى من مستوى المعيشة.
ولقد شكلت قضية الحاج صلاح عز الدين الاشارة الاخطر في البيئة القريبة من "حزب الله"، ورغم ان عز الدين لا ينتمي تنظيميا الى الحزب لكنه كان محاطا باهتمام خاص من بعض كوادر الحزب وقيادييه، وهو كان يؤمن خدمات خاصة لهم مما أدى الى نوع من الثقة به وقد استفاد من هذه الثقة لتوسعة اعماله التجارية الى المستوى الذي ادى به الى الافلاس والخسارة الكبرى التي اصابته، مما شكل ناقوس خطر كبير وجّه الى "حزب الله" وقيادته. وترافق ذلك مع بعض المظاهر السلبية التي بدأت تبرز في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية سواء على صعيد الفساد الاجتماعي او انتشار المخدرات، وصولا الى تراجع الالتزام الديني والاستفادة من ضعف حضور الدولة، وتراجع تطبيق القانون والنظام بعد التطورات التي حصلت ما بين عام 2006 و2008 وخصوصا الصراع السياسي والشعبي بين المعارضة وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة.

المواجهة الشاملة
ازاء هذه المظاهر السلبية وخوفا من ان تمتد المخاطر الى داخل الحزب وتنعكس سلبا على المقاومة ودورها بدأت قيادة "حزب الله" ولاسيما امينه العام السيد حسن نصر الله تنفيذ خطة متكاملة وشاملة لمواجهة مظاهر الفساد والتراجع الكبير على الصعيد الثقافي والاجتماعي. وشكلت "حملة النظام من الايمان" احدى ابرز هذه الخطط، اضافة الى التعاون الكبير مع الاجهزة الامنية الرسمية لمواجهة تجار المخدرات والفساد الاجتماعي والعمل لتعزيز حضور الدولة في كافة المناطق.
اما على الصعيد الداخلي فتم تأسيس مجموعة من الهيئات والمراكز المختصة داخل "حزب الله" تتولى دراسة اسباب التراجع الاجتماعي والثقافي وتعمل لوضع خطط عملية لمواجهته وبدأت تبرز بعض مظاهر هذه الخطط من خلال الحملة الاعلانية التي اطلقت اخيراً في الضاحية تحت عنوان "حجابك افضل من دمي" و"الحجاب عنوان العفاف" وذلك في اطار العمل لتعزيز الالتزام بالحجاب الشرعي بعد ان ظهرت في السنوات الاخيرة ظاهرة ما يسمى "الحجاب المودرن" (اي ان تلبس الفتيات نوعا من الحجاب المزركش مع ثياب لا تتسم بالضوابط الشرعية والدينية).
وتشير المعلومات الى ان امين عام "حزب الله" السيد حسن نصر الله يتولى شخصيا متابعة كل القضايا التي تتعلق بمواجهة حالات الفساد والظواهر الاجتماعية السلبية وهو اصدر تعليمات خاصة لوسائل اعلام الحزب، وخصوصا تلفزيون "المنار" لوضع ضوابط معينة لمنع بروز بعض المظاهر السلبية وخصوصا على صعيد الالتزام الديني، وكذلك على صعيد البرامج الثقافية والدينية التي ينبغي التركيز عليها والتأكيد على اولوية دور التلفزيون في نشر ثقافة المقاومة والتربية الدينية.
من جهة اخرى عمد نصر الله اخيراً الى البدء بتشكيلات قيادية جديدة واحداث تغييرات في بعض المواقع والمناصب وذلك لضبط بعض المظاهر الخاطئة، كما حرص على التواصل ولو "التلفزيوني" مع كوادر الحزب (نساء ورجالاً) من اجل التأكيد على اعطاء الاولوية للجوانب الاخلاقية والاجتماعية.
اذن فنصر الله وقيادة الحزب يدركان اليوم اهمية ما يسمى "معركة الجهاد الاكبر"، لانه حسبما يقول احد قيادي الحزب "ان ما لم يستطع العدو اخذه بالقوة العسكرية سيأخذه بالقوة الناعمة" (اي الجوانب الثقافية والاجتماعية والمادية). لكن عضواً سابقاً في شورى القرار في الحزب (اي مجلس القيادة) يعتبر أنه رغم اهمية الجهد الذي يبذله السيد نصر الله في اعادة ترتيب الوضع الداخلي للحزب والاهتمام اكثر بالجوانب الثقافية والاجتماعية، فان هذه المهمة ليست سهلة، لانه لا يمكن أي مسؤول في الحزب ان يدير هذه المعركة وحده، بل لا بد من اعادة الاعتبار للقيادة الجماعية في الحزب، واعادة النظر في هيكلياته التنظيمية، وذلك لمنع نمو ما يسمى في الثقافة الحزبية "الظواهر الطفيلية".
ويختم هذا القيادي السابق: "ان المطلوب اليوم وضع خطط تفصيلية تحت عنوان "الامن الاجتماعي والثقافي والاقتصادي" في موازة الخطط التي تنفذها المقاومة الاسلامية لمواجهة احتمال حصول حرب جديدة، فالمعركة الداخلية ليست اقل اهمية او خطراً في الحرب الخارجية ان لم تكن الحرب الداخلية اخطر وأكثر تأثيرا من اية حرب عسكرية، لان الحرب العسكرية تقوي الحزب والمقاومة، اما الحرب الداخلية فهي التي يمكن ان تضعفه وتشتته وهذا ما يجري في العديد من الثورات وحركات المقاومة والدول التي ناضلت ضد المستعمرين".

← العودة إلى مختارات