إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

الطائفة تنتخب - ساطع نور الدين (السفير)

انتخب الجنوب مجالسه البلدية، غير آبه بكل ما يحيط به من مخاطر وتحديات تشغل العالم كله. اللامبالاة الشعبية بالجدل الدائر حول احتمالات الحرب الاسرائيلية على لبنان وسيناريوهاتها، كانت السمة الاهم. عدم الاكتراث بالمناورة الاسرائيلية الواسعة النطاق كان علامة فارقة، تحتمل الجرأة والاستخفاف بالاسرائيليين، كما تختزل الثقة بأن كل ما يشاع عن الحرب ليس سوى تهويل وترهيب.
لعل في تلك الحماسة الشيعية الشعبية للتعامل بجدية مع الانتخابات البلدية، تقديرا غير متاح لدى الطوائف الاخرى بأن مثل هذه المعركة المحلية الضيقة هي، كما في جميع بلدان العالم التي تلجأ الى صناديق الاقتراع، الخطوة التمهيدية الاولى لإنتاج قيادات سياسية جديدة شابة، تحتاج اليها الطائفة أو تتسع لها أو تستعيدها من ماضيها القريب والبعيد.. بعكس الطائفة السنية مثلا التي لم تشهد معركة فعلية في صيدا بل شهدت شغبا على زعامتها، يرسخها ويخدم ديمومتها أكثر مما ينافسها أو يعبر عن رغبة شعبية بإيجاد بدائل لها في المدى المنظور.
في البيئة الشيعية كانت انتخابات بلدية شبه نموذجية، عبرت عن ذلك القلق الداخلي، الصحي، لدى القطبين الرئيسيين حزب الله وحركة أمل، من الخضوع لامتحان الائتلاف واختيار اللوائح وانتظار التصويت بصبر وأناة، ولدى الدائرين في أفلاك عائلية أو سياسية أو اجتماعية مختلفة من الحصول على حق الترشيح والتنافس والتعبير عن الاختلاف، أو حتى عن التمرد على خيارين سياسي وديني لا يمكنهما اختصار الطائفة أو احتكارها مهما بلغت قوتهما الحالية.
وبهذا المعنى كانت الانتخابات البلدية الشيعية حتى مساء امس جدية نسبياً.. حتى ولو كانت نتيجتها مخيبة لآمال الراغبين في تأهيل الأجيال الجديدة لكي تمسك بقيادة الطائفة أو تتقاسمها مع آخرين، أو في ظهور قيادة شابة لقطبيها الحزبيين اللذين يعتمدان حتى الآن آليات خاصة لتقديم رموزهما للجمهور الشيعي، بدلا من التدرج الطبيعي في إنتاج هذه الرموز واختبارها، من العمل البلدي الى العمل الجهوي (الجنوبي أو البقاعي) الى العمل الشيعي وصولا الى العمل الوطني.. وهو ما كان يمكن أن يميز الطائفة عن بقية الطوائف وخصوصيتها في إنتاج زعاماتها!
وبهذا المعنى ايضا كانت الانتخابات الشيعية معبرة جدا عن ان الطائفة على اختلاف تلاوينها السياسية واثقة من نفسها وهي ليست خائفة لا من الطوائف الاخرى، ولا من العدو الخارجي الذي يتربص بها، ويكيد لها، ويعد العدة للانتقام من حربه الاخيرة في العام 2006، بحرب يعرف كثيرون، وبينهم بعض الشيعة، أنها ستكون في الغالب حربا اسرائيلية شيعية بحتة، لن تتورط فيها طبعا أي طائفة اخرى في الداخل أو أي دولة اخرى من الخارج.. بل سيراقبها الجميع من بعيد، مثلما يراقبون الآن المعركة الانتخابية البلدية في الجنوب، باعتبارها شأنا داخليا، تفتقر الى أي قيمة سياسية محلية، أو الى أي تأثير خارجي، برغم كل الادعاءات القائلة انها ستكون حربا تغير وجه المنطقة كلها، وتعدل موازين القوى بين عواصمها..
القاسم المشترك بين الحرب والانتخابات هو الطابع البلدي لكلتيهما.

← العودة إلى مختارات