إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

تركيا تخسر ... تركيا تربح!! - علي الامين (البلد)

- الجمهوره العربي متعطش الى كلمة قوية وان لم ينل منها سوى الرنين.

- تجيّر إسطنبول مواقفها لاستعادة نفوذها إقليميا ولمكاسب أوروبية

ما جرى بحق أسطول الحرية في بحر غزة احدث ضجيجا واستجلب مواقف دولية واقليمية، لكنّها لم ترتق بعد الى مستوى الرد على الغطرسة الاسرائيلية. والموقف التركي، الذي عبر عنه رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان امام البرلمان التركي اثر الجريمة، عكس في جوهره ثنائية سياسية تركية حيال الشرق الاوسط: لغة العداء لاسرائيل الصوتية التي تعيد تجميل الصورة العثمانية غير المحببة في الذاكرة العربية، ولغة العلاقات والمصالح الثابتة مع اسرائيل المتشابكة مع علاقات تركيا الاوروبية والدولية.

الأكيد أنّ أردوغان، وفريقه الحاكم، لن يغامر في ان يكسر هذه المعادلة، لانه مطمئن الى ان جمهوره العربي متعطش الى كلمة قوية وان لم ينل منها سوى الرنين.
اما العدو – الصديق، اسرائيل، كما وصفها اردوغان، فكلمتان – عنوانان كبيران لا تختصرهما مساحة الفراغ الاقليمي العربي، بل يتصلان بوجود الدور التركي الاقليمي اصلا ومساحة نفوذه التي لا تخرج عن معادلة حلف شمال الاطلسي وحساباته الاستراتيجية على مستوى المنطقة.

لذا فالحكومة التركية، كما مؤسسة الجيش وطبقة رجال الاعمال المتوسعة والصاعدة، تدرك ان العلاقة مع اسرائيل هي اكبر من قدرة اردوغان على المغامرة بشأنها، فضلا عن اقتناعه بذلك. لكن هذه المواجهة مع اسرائيل كفيلة باعادة ترتيب العلاقة بين الدولتين على قواعد تتيح مزيدا من النفوذ التركي في المنطقة، لكن في موازاة المحافظة على عمق العلاقة بينهما.

وتركيا، في مواقفها الاخيرة حيال اسرائيل، تحاكي السياسة الايرانية من موقع المنافس في ساحة عربية يتوجها الفراغ. ولعل من يتبنى هذه المقولة كان يرى ان ايران استنفذت قدرتها على التمدد في المنطقة العربية، وما تحقق لها باتت اليوم في صدد المحافظة عليه، دون ان تستطيع الى تعزيزه سبيلا جديدا، ويجد في العلاقة السورية – التركية احدى وسائل التعبير السوري عن عدم الركون الى الحليف الايراني ووضع البيض الشامي كله في سلة ايرانية دون غيرها. في هذا الوقت مدت حركة حماس يدا باتجاه الاناضول، بحثا عن متنفس خارج بلاد فارس.

المنافسة من موقع التعاون مع ايران لاقاها استعداد عربي لتقبل هذا القادم الجديد، فتركيا التي لم يكن لها منذ نشوئها الحديث اي مساهمة في دعم قضية العرب منذ نكبة فلسطين عام 1948، لا بل نسجت خلال هذا التاريخ علاقة وثيقة مع اسرائيل، استفاقت في ظل حزب العدالة والتنمية على العنوان الفلسطيني، ليس من موقع الاستعداد لاعادة رسم علاقة تركيا مع اسرائيل والولايات المتحدة، بل في محاولة جادة من اجل اعادة رسم نفوذها الجديد داخل المسرح العربي المفتوح، وتعزيز مصالح تركيا في علاقاتها مع غرب استهان بها عندما رفض انضمامها الى المجموعة الاوروبية، وفي تعزيز علاقتها مع اسرائيل من موقع الند والموازنة بين نفوذين لدولتين تشكلان قاعدتين لنفوذ "الاطلسي" في المنطقة.

المشهد البحري الغزاوي الاخير حدث في لحظة فراغ، لكنّه حدث لا يفضي الى حرب ولا يفتح ابواب السلام، فلا الحرب آتية ولا السلام يتهيأ، وقتل مواطنين اتراك برصاص اسرائيلي لا يستدرج تركيا الى حافة الحرب.

إنها دماء تركية سقطت على ضفاف فلسطين، دماء يحسن حكام تركيا ان يجيروها من اجل قوة الدولة ومنعتها، وهي قوة سوف يجري تسييلها بمزيد من تحصين الموقع في المعادلة الاطلسية، وقد نشهد تعاملا اوروبيا مختلفا حيال فكرة الانضمام الى اوروبا، كما لن نستبعد ان تتم معالجة الازمة مع اسرائيل بمزيد من التعاون القائم على التبادل التقني عسكريا وغير عسكري.

"تركيا اولا"، هذا ما يفرضه منطق السياسة الدولية وحسابات حزب العدالة والتنمية. طموح تركي لا يخل بمعادلة تارجح النظام الاقليمي العربي في لعبة المصالح الخارجية.

← العودة إلى مختارات