التوجهات الدينية الثلاثة لدعم "الدولة غير الدينية" - جهاد الزين (النهار)
المشهد غير واضح حتى لو كان حقيقياً وفاعلاً. بل حتى انه غير منظور بما هو مساحة مشتركة ممكنة، بل قائمة، بين مواقع - تيارات ثلاثة يمكن اعتبارها الآن، بل جعلها، قوة دفع فكرية وبالتالي سياسية، لبلورة شخصية "الدولة غير الدينية"، الشخصية التي تنطوي في مضمونها على اتجاه أو بدء اتجاه (تاريخي؟) معاكس للمضمون الاصولي الذي سيطر على رؤية "الدولة" باعتبارها دولة نازعة نحو حكم ديني، وانتج في العالم المسلم، دولاً تحت الحكم الديني المباشر، ومعها سيطرة متزايدة وقائمة للحركات السياسية الاصولية على الحيوات السياسية في العالم المسلم وفي صعود أصولي أكيد في العديد من البيئات الغربية وتحديداً في أوروبا والولايات المتحدة الاميركية.
هل ما نرى مع مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، هو إمكان ولادة متعددة الروافد لتيار معاكس، يتحول لاحقاً الى نواة "عد عكسي" للسيطرة الاصولية الفكرية - السياسية باتجاه تعزيز فكرة - ونماذج - الدولة غير الدينية؟
في الأفق الحالي المنظور، نجد الاساس لهذه الامكانية في ثلاث شخصيات رئيسية جداً سأقدمها كشخصيات قبل الانتقال الى محتوى مواقفها الاساسية التي "فرضت" جمعها معاً:
-1 البابا بينيديكتوس 16، الشخصية النازعة أكثر، بحكم تكوينها وتجربتها الأكاديميين، الى الاهتمام الفكري، بما يجعله مختلفاً عن سلفه البابا الراحل ذي الحس الشعبي - القيادي الذي انخرط في الصراع العالمي وساهم في انهاء الحرب الباردة لصالح الغرب.
نحن اليوم أمام شخصية "مثقف" على رأس الفاتيكان. مع ما يعنيه ذلك من "خصوصية" قد يتيحها رصد جدي لنزوعات هذا البابا والتي تجلّت بشكل خطر في تجربته الاولى عندما أدت "ثقافته" العميقة الى موقف انتج له أول سوء تفاهم مع العالم المسلم مع ان الخطاب الذي وجهه يومها ينطوي على "مزاج" فكري دقيق كان يمكن لولا الضجة المتسرعة في العالم المسلم أن يؤدي الى ضجة ضد البابا في العالم المسيحي! لكن هذا حديث آخر، فالمهم هنا ان البابا بينيديكتوس في حركته الاخيرة، والتي ليس صدفة، أن تكون شرق أوسطية بل متوجهة الى العالم المسلم عبر ورقة العمل الهامة التي وجهها الى سينودس أساقفة الشرق الاوسط، خلال زيارته الاخيرة لقبرص، وتناولت قضايا المسيحيين. هذا السينودس الذي سينعقد في روما في تشرين الاول المقبل، توجه الى مسيحيي "منطقة" تارة تحددها الورقة بأنها تمتد "من مصر الى ايران" وتارة وبصياغة مختلفة "مجتمعاتنا العربية والتركية والايرانية" التي "تتسم بخصائص مشتركة"، حسب تعبير الورقة.
-2 الشخصية التركية، غير المعروفة كثيراً في العالم العربي، ولكن الشديدة الاهمية في تاريخ العقدين الاخيرين داخل تركيا وفي آسيا الوسطى كما بين مسلمي أوروبا والولايات المتحدة الاميركية ودول عديدة أخرى. انه الداعية الديني فتح الله غولن المقيم منذ أكثر من عشر سنوات في ولاية بنسلفانيا الاميركية في قرار "نفي ذاتي" اتخذه هو مغادراً تركيا، ويدير من هناك في حوالى مئة دولة، 500 مدرسة وست جامعات داخل تركيا وخارجها مع مبشرين محترفين ومتطوعين بالآلاف وانصار لحركته "حركة غولن" يقدرون بستة ملايين شخص.
هذا الرجل، لا يمكن في الواقع، تأريخ تحولات المشهد السياسي في تركيا، بدون الدور العميق والمسلّم به لحركته غير السياسية، ولكن المؤثرة في تحويل مفاهيم الجيل الجديد من "الاسلاميين" الأتراك، وفي الوصول الى السلطة السياسية بصفتهم حسب تعبير الباحث التركي أحمد ت. كورو ممثلين لمدرسة علمانية جديدة في مواجهة العلمانية الكمالية القديمة بعد انشقاقهم عن نجم الدين اربكان.
3- الشخصية الثالثة، التي شاءت الاقدار أن تكون في موقعها الديني الرفيع في النجف مع التحوّل الذي حصل في العراق عام 2003. انه السيد علي السيستاني المرجع الشيعي الأعلى الذي يواصل في السنوات السبع المنصرمة دوراً جديداً في تاريخ النجف، والمرجعية الشيعية والعراق: "الرعاية" غير المباشرة لولادة الدولة العراقية الجديدة وهو ما سيتحول بحكم الخصوصية العراقية، الى رعاية نموذج (متدين) لدولة غير دينية تجمع بصيغ وتوازنات عملية ودستورية جديدة كل "مكونات الوضع العراقي" القومية والطائفية والدينية. ومن هذا الموقع، سيجد نفسه بشكل تلقائي، أمام "رعاية" لنموذج دولة مدنية غير اصولية على مسافة معقدة من النموذج الآخر الاصولي الايراني الى الشرق والشمال وعلى مسافة صحراوية فاصلة بين نجد والنجف من النموذج الوهابي الى الجنوب والغرب.
•••
ما هي مواقف هذه الشخصيات الدينية الكبيرة التي تجعلها مهيأة، بل هي كذلك فعلياً، لقيادة نموذج دولة تعددية غير دينية أو نموذج دولة مدنية (متدينة) لا دينية؟
سنبدأ بقداسة البابا في انجازه الاخير المتمثل بورقة العمل المقدمة الى سينودس أساقفة الشرق الأوسط.
حظيت بعض مواقف هذه الورقة باهتمام اعلامي "متفجر" لاسيما المتعلق بخطر اختفاء المسيحيين في المنطقة. لكن، في ما يعنينا هنا، بل في ما يعني جوهر السجال الدائر داخل الغرب، وتحديداً فرنسا وبعض محيطها البلجيكي، الهولندي، الاسباني، فقد تبنى البابا بينيديكتوس السادس عشر موقفاً هاماً جداً يتعلق بمفهوم العلمانية.
لقد تحدثت الورقة، بل دعت الى "تعميق مفهوم العلمانية الايجابية". صحيح ان المصطلح (العلمانية الايجابية) انتشر على لسان خطبة شهيرة للرئيس فرنسوا ساركوزي في روما، لكن المشكلة ان ضغط الحياة السياسية الفرنسية، بل ضغط النخب العلمانية التقليدية الفرنسية قد بدد الفرصة التغييرية التي ينطوي عليها هذا المفهوم. فبكلامه عن العلمانية الايجابية، عنى ساركوزي - وهو ما يتبناه حرفياً على ما يبدو البابا بينيديكتوس - ان المطلوب انتقال العلمانية الفرنسية من علمانية متناقضة مع الدين (إن لم تكن معادية له في بعض وجوهها) الى علمانية متصالحة مع الدين على النمط الاميركي الذي يتميز ليس فقط بهذه المصالحة، بل باعتبار حضور الدين في "المساحة العامة" جزءاً من عملية فصل الدين عن الدولة، أو (Secularism) وهو التعبير الاميركي لمصطلح فصل الدين عن الدولة مقابل تعبير (Laîcité) الفرنسي. لكن مع الاتجاه الفرنسي الى الحظر المطلق "للحجاب الكامل" (البوركا) قد تكون هذه الفرصة الفرنسية تلقت ضربة أكيدة ونجحت النخب التقليدية في "إرهاب تطبيقي" لمحاولات ساركوزي التغيير.
يهمنا جوهرياً تبني البابا لمفهوم "العلمانية الايجابية" كخطوة اساسية تسمح لهذا الفهم أن يتلاقى مع مفاهيم الامام فتح الله غولن والسيد علي السيستاني التي سنعرضها بعد قليل.
ماذا تقول ورقة عمل السينودس عن هذا الموضوع؟:
سأنقل الكلام حرفياً:
"الفقرة 25: تختلف الاوضاع كثيراً في بلدان الشرق الاوسط، وحسب الإجابات تتوقف امكانات الكنيسة في الاسهام في التنمية الاجتماعية - الحضارية، على عوامل مختلفة، مثل نوع الحضور المسيحي، ونسبة الكاثوليك في البلد، وبالطبع طبيعة النظام السياسي، والنظام القضائي، والمجتمع والحضارة بصفة عامة. وإنما مبدئياً، يجب على الكاثوليك أن يعملوا على تقديم افضل مساهمة، في تعميق مفهوم الدولة "العلمانية الايجابية" (3 - راجع بينيديكتوس 16 - الرحلة الرسولية في فرنسا، مراسيم الاستقبال في قصر الإليزيه، مجلة الوثائق الكاثوليكية 2409 (2008) 824-25) بالاشتراك مع باقي المواطنين المسيحيين، وايضاً مع المسلمين المفكرين والمصلحين. وبذلك سيساعدون في تخفيف الصبغة الثيوقراطية (الحكم باسم الله) لبعض الحكومات، مما يسمح بمزيد من المساواة بين المواطنين من مختلف الديانات، ويعمل على تنمية ديموقراطية سليمة، علمانية ايجابية، تعترف اعترافاً كاملاً بدور الديني، حتى على مستوى الحياة العامة، مع كامل الاحترام للتمييز بين كل من النظام الديني والنظام الزمني" (انتهت الفقرة 25).
سننتقل الآن الى الإمام التركي فتح الله غولن، لنظهر كيف ان حركته، تشكل، ويمكن لها أن تشكل نهراً كبيراً من الانهار الثلاثة المفترض حالياً ان تصب في المجرى الرئيسي لاعادة الاعتبار الفكري والعملي للدولة الديموقراطية التعددية غير الدينية.
نحن هنا مع افكار فتح الله غولن من ناحية النشاط العملي امام نوع من "الاسلام التعليمي" لا "الاسلام السياسي". فرغم التأثير العميق في مجرى التحولات التركية الاقتصادية والسياسية لحركة غولن في العقدين الاخيرين، يعلن غولن ويلتزم بدقة في نشاط مدارسه بالعمل غير السياسي. مع ذلك لا زال في تركيا واميركا، من يتهم غولن كالعادة بوجود "اجندة سرية" لحركته. صحيح انها حركة انتاج نخبة تركية ومسلمة، ولكن هي مهمة في التأثيرات العميقة التي تنتج الحداثة التركية، او تساهم في تطويرها في الجيل الحالي، بعد مساهمة الكماليين التأسيسية، لأنها تركز على اولوية العلم الحديث وتبنيه بدون تردد والخوض في غماره مستوى وشروطاً. والمراقبون الاتراك الجديون (وبينهم الباحث احمد كورو) يعتبرون ان اللقاء التاريخي الذي جمع بين حزب العدالة والتنمية وبين حركة فتح الله غولن عشية استلام الحزب للسلطة الحكومية كان على النقاط التالية:
1- حسم خط "الاسلاميين" بتبني، بل قيادة، الدعوة الى الانخراط الكامل في الاتحاد الاوروبي.
2- الانخراط الاقتصادي من خلال ذلك في "العولمة".
3- دعم مطلق لفكرة الخصخصة وتشجيع الاستثمارات الاجنبية.
لقد كان من حصيلة توجهات كهذه، مرتبطة دائماً بالتأكيد على التعددية الحزبية، والتسامح والحوار الديني، ان "حزب العدالة والتنمية"، وهو للتوضيح آت من سياق تنظيمي وسياسي خارج حركة غولن، لم يعد يقبل تسمية نفسه – والى الآن – بالحزب "الاسلامي" – بل يعتبر نفسه "يمين الوسط المحافظ" حسب تعبيرات قادته وعلى رأسهم اردوغان. ومن مواقف غولن المعروفة، تأكيده على التفاهم مع "الاسلام العلوي" كاسلام اساسي ضمن التكوين التركي ودعمه لفتح مدرسة اللاهوت التابعة للبطريركية الارثوذكسية والمغلقة منذ السبعينات في اسطنبول.
لقد دعم فتح الله غولن (وساهم في تغيير) الجيل الجديد بقيادة اردوغان وعبدالله غول وبولنت ارينج المنشق عن المؤسس "الاصولي" نجم الدين اربكان، اولا على قاعدة هذا الانشقاق، ففتح الله غولن وكان لا يزال في تركيا، ايد خطوة المؤسسة العسكرية بارغام اربكان على الاستقالة من رئاسة الوزراء عام 1997 بعد اشهر قليلة على توليها ضمن تحالف مع "حزب الوطن الام" اثر انتخابات 1996. (اربكان كان ضد اولوية السعي التركي لعضوية الاتحاد الاوروبي الكاملة). لقد كان لصحيفة "زمان" التي تأسست باموال حركة فتح الله غولن، وعدد من المحطات التلفزيونية المماثلة، دور كبير ومتواصل في دعم "حزب العدالة والتنمية" في السنوات العشر المنصرمة. كما ان هذه الصحيفة هي التي كانت اول من نشر الموقف الشهير لاردوغان وارينج برفض مشروع "الدولة الاسلامية" التي لا زال نجم الدين اربكان يعتبر حصولها "حتمياً" مع العلم ان حزبه هبط الى نسبة 2,3 بالماية من اصوات المقترعين في الانتخابات بل حتى اقل!
لقد ساهم الامام فتح الله غولن بعمق في جعل الصراع في تركيا، كما اشرنا سابقاً، صراعاً في الواقع بين مدرستين علمانيتين، مدرسة تقليدية كمالية تقوم على فصل سلبي بين الدولة والدين (النموذج الفرنسي) وبين مدرسة جديدة تقوم على فصل ايجابي بين الدين والدولة، دولة علمانية غير معادية للدين (النموذج الاميركي). ولم يعد الخلاف عملياً بين علمانيين واسلاميين بالمعنى التقليدي. وكان للقاءات الشهيرة المتعددة الاتجاهات الفكرية السياسية التي نظمتها حركة غولن مبكراً اعتباراً من العام 2001، وهي الآن بلغت ثماني لقاءات، وأحدها عقد في باريس للتناقش مع المثقفين الفرنسيين، وشارك فيها اكاديميون وصحافيون اتراك ليبراليون ووطنيون ويساريون واسلاميون... كان لهذه اللقاءات في العقد الاخير دور مهم في انتاج بيئة تعددية فكرية تنعكس على وتدعم التعددية السياسية، مع ان فتح الله غولن نفسه عانى شخصياً من ريبة وملاحقة اوساط اتاتوركية في نهاية التسعينات جعلته يغادر طوعاً الى اميركا، مع انه كان دعم اقصاء نجم الدين اربكان. ويجب ان نتذكر هنا ان فتح الله غولن معروف بنقده لما يسميه النموذجين الايراني والسعودي كـ"دولتين دينيتين".
هذا النموذج التركي، عبر فتح الله غولن، تكمن قوته في التجربة العملية اكثر من التبلور الفكري رغم جهوده الفكرية، ولعل هذا ميزة لتركيا الحديثة التي تعرف (كاليابانيين) ان تنتج نماذج عملية بحيث تأتي قوتها "الفكرية" بعد التطبيق لا قبله، او حسب ما اسماه باحث الماني، اورد تعبيره، دون ان اتبناه بالضرورة (بانتظار التدقيق): لقد وصف الصناعيين الاتراك في الاناضول، وتحديداً انطلاقاً من نموذج مدينة "قيسرية" (مسقط رأس الرئيس عبدالله غول)... اسماهم: "الكالفينيون الاسلاميون" (نسبة الى المصلح البروتستانتي الشهير كالفن).
اما الرافد الثالث الديني الكبير الذي يمكن ان يتحول بدوره في الوضع الحالي العربي، المسلم، الى عنصر دعم اساسي لاعادة الاعتبار الفكرية والسياسية للدولة غير الدينية... فهو المرجع الشيعي الاعلى في النجف الذي تضعه التجربة العملية، والظرف التاريخي في موقع "رعاية" دولة تعددية، وقد كان لفرصة اللقاء الذي توفر لي معه في النجف قبل اسبوعين ان شدت انتباهي اكثر الى هذه القابلية (راجع مقالي: "رسائل" المرجعية الشيعية الى العالم العربي 8/6/ 2010).
لقد كانت "اوساط" المرجعية الشيعية العليا واضحة جدا في الموقف الاساسي الذي يخدم فكرة الدولة المدنية التعددية:
التأكيد على "دولة غير دينية" بمعنى محدد: دولة دينها الاسلام كما هي الدولة العراقية وكل الدول العربية – باستثناء لبنان – ولكن ليست خاضعة لـ"احكام الاسلام" وانما لما تسميه المرجعية "ثوابت احكام الاسلام" اي عموماً ثوابت الثقافة الاسلامية وهو امر مختلف عن الدولة الدينية.
إن أكثر ما يكشف أهمية هذا الموقف في صياغة الشخصية التعددية في الدستور العراقي الجديد ان هذا الدستور تضمن ان الاسلام "هو مصدر اساسي للتشريع"(المادة 2) وليس المصدر الأساس للتشريع.
في كتاب "دليل الدستور العراقي" الذي اعده شبلي ملاط وهيرم شودش وصدر عام 2009 إضاءة على خلفية تفكير ساهمت في هذه الصياغة ودور السيد السيستاني تحديداً في ذلك. إذ ينقل المؤلفان في معرض مشاركتهما في المناقشة ما قاله البروفسور الحقوقي العراقي علاء حمودي خلال الصياغة يومها (2005) وهو حرفيا:
(الخلاف الحقيقي نشأ حول كلمة "احكام". لا أدري لماذا تنقل كل ترجمة قرأتها كلمة "احكام" الى Provisions في حين ان كلمة Rulings أفضل. كان هاجس السنة ان كلمة "حكم" Ruling قد تكون مجرد شيء قاله السيستاني وهي قراءة جائزة. وكان الحل الوسط الذي قدمه الشيعة إضافة "ثوابت" الى "الأحكام". وسيتوقف الكثير على ما تعنيه كل من المفردتين. قارن مع قانون ادارة الدولة المؤقت الذي ينص على "ثوابت احكام الاسلام المجمع عليها". من الواضح ان السنة كانوا يعتبرون ان عبارة "المجمع عليها" تكفل اجماع المسلمين كافة بحسب التقليد السني. ومن الوجيه السؤال هل كان النص النهائي تشديداً على الدور المحدد الذي تقوم به القيادة الشيعية المتعارف على تسميتها بـ"المرجعية")، ا نتهى الاقتباس الحرفي.
ينبغي التذكير، في هذا السياق، في مجال تعدد ابعاد شخصية الدولة كما تتشكل في الدستور العراقي "بالمادة 3": "العراق بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب، وهو عضو مؤسس وفعال في جامعة الدول العربية وملتزم بميثاقها، وجزء من العالم الاسلامي" فضلا عن ان "المادة 1" تحدد نظام الحكم بالشكل التالي: "جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديموقراطي. وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق" وليس في هاتين المادتين أي محتوى لحكم إسلامي بالمعنى الأصولي، بل العكس!
•••
إذا كانت التجربة التاريخية، منذ تأسست "الحداثة الاوروبية" على خط متواصل من المسافة بين الدولة والدين انتجت الفكرة العلمانية، هي التي تجعل الفاتيكان جاهزا لاستقبال تلقائي لأي "علمانية ايجابية" تريد صيغة "تصالح" ما مع الكنيسة دون التخلي عن البنية العلمانية للدول الاوروبية، فان التجربة التاريخية للدولة العثمانية جعلت المذهب الحنفي الأكثر قابلية فقهية تكوينية لاستيعاب التعدد الديني والمذهبي... بينما تظهر الوقائع المعاصرة، ان تقاليد النجف كمركز المذهب الجعفري في الاستقلالية الكاملة عن الدولة، قد جعلتها مهيأة على اساس متطلبات الوضع العراقي الجديد لدعم بل حماية نموذج تعددي لدولة مدنية متدينة ولكن غير دينية في العمق!
من هذه القابليات الثلاث يمكن ان يولد في محيطنا اليوم الامكان الحيوي لتيار الدولة التعددية.
ورموز هذه الامكانية، التي يمكن ان تنضم اليها قابليات اخرى فرعية او سياسية، هم ثلاثة حالياً:
البابا بينيديكتوس - الامام فتح الله غولن - السيد علي السيستاني.
انها المرحلة التالية بدون لبس:
مرحلة دور أو أدوار التيارات المتدينة في عملية إعادة ما لفصل الدين عن الدولة.
"الدينيون الجدد" هم الذين يستطيعون في ظل الاكتساح الاصولي اعادة الاعتبار لفكرة الدولة غير الدينية.
هذا ليس زمن غير الدينيين في صناعة العلمانية الجديدة. هذا زمن الدينيين في اعادة "علمنة" الحياة السياسية. ومفاهيمها.
... وتأتينا الروافد من الفاتيكان وتركيا والعراق.