إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

السياسة الخارجية التركية الجديدة توسّع نحو الشرق على حساب الغرب واسرائيل - نزار عبد القادر (الديار)

يأتي تعاظم دور تركيا كقوة شرق اوسطية كنتيجة حتمية للتغييرات الداخلية في المشهد السياسي التركي وللتطورات الخارجية التي شهدتها العلاقات التركية مع الغرب ومع دول المنطقة. وتأتي اهمية الدور التركي الجديد انطلاقا من تقارب تركيا مع الـدول العربية والاسلامية على حساب علاقاتها التاريخية مع كل من الولايات المتحدة واسرائيل. ولا تقتصر الاهتـمامات التركية على بناء علاقات مع الدول الشرق اوسطية المجاورة لها بل تتوسع لتشمل العلاقات مع الدول الاسلامية الاسيوية وصولاً الى حدود الصين.
جاءت قمة العشرين التي عقدت في اسطنبول برئاسة رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان من اجل ارساء قواعد التعاون وبناء قواعد الثقة بين الدول الآسيوية كتعبير واضح عن الطموحات التركية لتوسيع علاقاتها مع الدول الاسلامية الاسيوية، وكتعبير عن نياتــها في تنمية علاقاتها باتجاه الشرق بعد ان اصيبت علاقاتها مع الغرب بقدر من الجمود، ظهرت بوادره ومؤشراته من خلال معارضة بعض الدول الاوروبية لمساعيها الحثيثة للانضمام الى الاتحاد الاوروبي، ومن خلال التناقض في الرؤية مع الولايات المتحدة والذي بدأ في عام 2003 إبان التحضيرات الاميركية للحرب على العراق، حيث جمّدت تركيا النشاطات الجوية الداعمة للحرب من قاعدة «انجرليك» الموجودة على اراضيها، كما انها لم تسمح بفتح جبهة ثانية عبر حدودها مع العراق.
تمثلت ذروة التناقش في علاقة انقرة بواشنطن من خلال تصويت تركيا ضد مشروع القرار 1929 (الاميركي) في مجلس الامن، والقاضي بفرض عقوبات جديدة ضد ايران، وذلك على خلفية المشروع النووي الايراني.
وكانت قد حصلت بعض التطورات الهامة والتي دفعت تركيا الى واجهة المسرح الديبلوماسي الدولي، وكان من ابرز هذه التطورات: اولا، نجاح وزير خارجية تركيا احمد دوود اوغلو بالاشتراك مع وزير خارجية البرازيل سالسو أموريم في توقيع اتفاق في اواسط ايار الماضي مع وزير خارجية ايران منوشهر متكي حول استبدال اليورانيوم الايراني المنخفض التخصيب بيورانيوم اعلى تخصيبا على الاراضي التركية، بدل من اجراء عملية التبادل على الاراضي الروسية وفق ما كان قد اقترحه الاتحاد الاوروبي. لم تبد الولايات المتحدة اي اهتمام بالاتفاق التركي - البرازيلي، وقد رأت فيه بأنه محاولة لتعطيل جهودها الرامية الى عزل ايران دولياً.
ثانيا، عادت تركيا لتحتل واجهة الحدث الدولي بعد اسبوعين على الحدث الاول، وذلك على اثر قيام البحرية الاسرائيلية باعتراض «اسطول الحرية» المتوجه لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، وقد ادت هذه العملية الى قتل تسعة نشطاء اتراك على متن الباخرة «مرمرة».
يرى عدد من الخبراء بأنه لا يمكن النظر الى هذه الاحداث بصورة منعزلة عن التطورات التي تشهدها تركيا منذ تشرين الثاني عام 2002 بعد وصول حزب العدالة والتنمية الى السلطة بقيادة رجب طيب اردوغان، والذي يحظى بتأييد شرائح شعبية واسعة تسمح بتشكيل حكومة مستقرة، بعد عدة عقود من حكومات الائتلاف الضعيفة.
سمحت قوة حزب العدالة والتنمية لأردوغان بسلوك طريق اصلاحي حيث شن حربا على الفساد، كما عمل على تحرير السلطة المدنية من وصاية جنرالات الجيش، بالاضافة الى توجيه السياسة الخارجية التركية لسبر خيارات جديدة مع اعطاء اولوية لعلاقـات تركيا بدول الشرق الاوسط والدول الاسلامية في آسيا. ويبدو ان مصدر هذه الرؤية الجديدة لعلاقات تـركيا الخارجية انما يعود الى البروفسور احمد داوود اوغلو الذي عمل بداية كمستشار لرئيس الحكومة، قبل ان يعيّن كوزير للخارجية. استندت الافكار التي قدمها احمد داوود اوغلو على ضرورة الاستفادة من التقارب الثقافي مع الدول الشرق اوسطية، بدءاً من ايران وسوريا، من اجل تحقيق الاختراق الجـديد باتجاه الشرق، وكان قد سبق بناء العلاقات الجديدة استضافة تركيا لقمة المؤتمر الاسلامي حيث استضافت تركيا 57 دولة اسلامية بدعم سعودي وايراني ظاهرين في عام 2004. يمكن النظر الى هذه القمة الاسلامية كنقطة انطلاق لتراجع علاقات تركيا باسرائيل، وكنقطة تحوّل في السياسة الخارجية التركية، حيث بدأت تركيا بتحسس اهمية بناء علاقات جديدة مع محيطيها العربي والاسلامي، ولكن دون ان تتراجـع عن جهودها لدخول الاتحاد الاوروبي بالرغم من المعارضة الفرنسية والالمانية لها.
يبدو من التطورات الأمنية الاخيرة بان الطريق التي تسلكها تركيا باتجاه نسج علاقات خارجية جديدة لن تكون مزروعة بالورود، وبأن حكومة اردوغان ستتعرض الى الكثير من الضغوط السياسية والأمنية، في محاولة لاقناعها بالعودة عن دعمها للموقف الايراني والتخلي عن دعم حماس وحزب الله. يدرك اردوغان مستوى المخاطر التي يواجهها في هذه المرحلة، ومن هنا تبرز المرونة التي يتعامل فيها من اجل رأب الصدع الحاصل في علاقاته الاميركية والاوروبية والاسرائيلية، ولكن دون الربط بين علاقاته الجديدة ومطلب وقف التدهور الحاصل في علاقاته القوية. لكن تبقى الامور مرتبطة الى حد كبير بالتطورات التي تشهدها الساحة الفلسطينية، حيث عبّر اردوغان في اكثر من مناسبة، عن مدى تعاطفه مع ما يواجهه الشعب الفلسطيني من عمليات قتل واعتقال وظلم. وكانت ابرز المواقف الحادة التي عبّر عنها ضد اسرائىل من خلال الندوة التي شارك فيها في قمة «دافوس» الاقتصادية مع الرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز عام 2009، حيث انسحب اردوغان من الندوة متوجهاً الى بيريز بالقول «عندما يتعلق الأمر بعمليات القتل فانكم تعرفون كيف تقتلون».
لا يمكن توقع حصول اي تصدّع سياسي داخل تركيا في ظل الدعم الشعبي الواسع لحزب العدالة والتنمـية، وذلك في ظل نجاح حكومة اردوغان في اعتماد سياسات اقتصادية واجتماعية ناجحة بكل المقاييس. لم تتأثر المصارف التركية بالازمة المالية الدولية، كما ان نسبة النــمو الاقتصـادي ما زالت تتراوح بين 5 و7 في المائة، وان الدخل الفردي بالنسبة للـناتج الوطني العام هو في مستوى 12500 دولار اميركي. ومن هنا فانه لا يتوقع ان تؤدي الضغوط الامنية الجديدة الى اي تغيير في السياسة الخارجية الجديدة.

← العودة إلى مختارات