الأهالي بصفتهم كائنات عفوية - احمد عياش (النهار)
للمرة الثانية خلال ايام يصاب امس جندي من الكتيبة الفرنسية في "اليونيفيل" بجروح بسبب تحركات للاهالي وصفها "حزب الله" ولا يزال بأنها "عفوية". وهذه ظاهرة تستحق التأمل ليس فقط لجهة "العفوية" بل لجهة الاهالي الذين بدوا للمرة الاولى في تاريخ الجنوب يتصرفون خارج نطاق فعلهم كأهال فقط.
كاتب هذه السطور الذي ينتمي الى هؤلاء الاهالي وينتمون اليه بفعل كل العوامل التي تنسج الروابط الاهلية لم يصادف قبل أيام قليلة من وقوع الاصابات في صفوف "اليونيفيل" عندما كان يجول في عمق منطقة قرار مجلس الامن الدولي الرقم 1701 ان هناك بوادر لـ"عفوية" تستعد لاخراج الاهالي الى الشوارع لرمي الحجارة او استخدام العصي لرجم دوريات القوة الدولية او تحطيم آلياتها. ففي بنت جبيل مثلا كان الاهالي يفكرون كيف يحقق لهم موسم الصيف الحالي ما يعوّض خسائر المواسم الراكدة. وفي عيترون، كان الاهالي ينشطون على اكثر من صعيد زراعي وصناعي وحرفي من أجل توفير مخزون العيش في الشهور العجاف. اما في كونين فالنساء والرجال يزرعون ويحصدون ويربون الماشية، والصاعدون من بيروت وسائر المدن يتهافتون على منتجاتهم.
هذه عينة من الجنوب الشاسع الذي يضم مئات البلدات والقرى حيث الاهالي يقبلون على الحياة بكل ألوانها. ولم تبد هناك علامات تشير الى "عفوية" ستخرجهم فجاة من متاجرهم ومزارعهم ومصانعهم من أجل التعبير عن غضب ضد قوات يقول الرئيس نبيه بري ان ما بينها وبين الجنوبيين علاقات تعود الى ربع قرن خلا، وبالتالي فإن فيها ما يكفي من الخبز والملح ليجعل منها وطيدة.
لم تكن هناك من مقدمات لكل هذا التوتر الطارىء الذي الم ببعض الجنوب. كما ان في سجل العلاقات بين "اليونيفيل" والاهالي مثلا ما هو نقيض لما في سجل العلاقات بين العمال السوريين والاهالي. وهذا ما ظهر في حوادث قانا حيث قتل قبل يومين احد العمال مما يعيد الى الاذهان ما حدث من قتل قبل شهور في كترمايا في أقليم الخروب.
الخبر اليقين هو عند "حزب الله" الذي أطلق صفة "العفوية" على ما يجري من حوادث في الجنوب. وهي "عفوية" تشبه الى حد بعيد التحركات التي قام بها قبل أيام شبان غاضبون في طهران احتجاجاً على قرار شركة "توتال" الفرنسية وقف التعامل النفطي مع الجمهورية الاسلامية نزولا عند قرار العقوبات الدولي الرقم 1929.
واللافت حتى هذه اللحظة هو هذا "التواطؤ" الرسمي ليس مع الاهالي ضد "اليونيفيل" بل مع "العفوية" نفسها. وكأن آلاف الجنود اللبنانيين الذين أتاح لهم القرار 1701 للمرة الاولى منذ عقود ان يصلوا الى جنوب البلاد هم ضيوف وليسوا أرباب المنزل. فرئيس الجمهورية قبل ان يعود ويخفف وطأة تفسيره الاول، ومجلس الوزراء الذي لم يعد ولم يخفف، مقتنعان بنظرية "عفوية" الاهالي الذين يضعون لبنان اليوم عند مفترق خطير يهددهم أولا قبل ان يهدد الوطن بأسره ثانياً.
ما يمكن قوله في اطلاق "حزب الله" صفة "العفوية" على اهالي الجنوب والتبني الرسمي لها، انه يجري التعامل مع هؤلاء السكان ككائنات غير ذكية، مع ان واقعهم يشير الى عكس ذلك. وليس من الذكاء في مكان ان يمارس "حزب الله" والسلطة هذا القدر من "العفوية" نيابة عن اهالي الجنوب وذكائهم.