إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

الحريري ووليد جنبلاط: إحذروا القرار الظني - ابراهيم جبيلي (الديار)

بعد استشهاد كبير الزملاء جبران التويني، زار النائب وليد جنبلاط المملكة العربية السعودية، وأثناء لقائه مع العاهل السعودي، تطلع الملك عبد الله نحو السماء قائلاً: الله يرحم رفيق. ففي ذلك الزمان، لم يفهم جنبلاط المغزى الحقيقي لهذا الابتهال، لكنه أدرك متأخراً معانيه وعرف جيداً مقاصده. وأصبح الزعيم الاشتراكي يردد في مجالسه الخاصة: يا عمي المحكمة كادت ان تقضي علينا اثناء تأليفها، واليوم ستقضي قراراتها الظنية علينا ايضاً.

هذا الكلام يشير بوضوح للتداعيات المنتظرة، عندما يصدر القرار الظني في جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري، لذلك فإن ألسنة الجميع تقريباً باتت مربوطة، تريد إبعاد كأس القرار الاتهامي، لأن الوقائع الجنائية وتفاصيلها ستصيب الأفرقاء كلهم بالإحراج والتجاهل التام وعدم التعليق، وما الكلام الذي أطلقه الوزير وئام وهاب الاّ ليزيد على هؤلاء حالة من الرعب، فوهاب قدم لهم النصيحة المجانية: «أنا لم أكذب عليكم سابقاً... صدقوني كل مية زلمي بربع ليرة» وتابع «حذار أن تصرفوا قرار بيلمار الظني في الأسواق السياسية».

هل دخلت «الحقيقة» في غياهب المجهول؟ وأصبحت ملفاً موضباً على الرفوف، كالملف الذي يحمله النائب وليد جنبلاط عن مقتل والده، فلا يفتحه الاّ إذا تغيّر المناخ، الذي يبدو أنه لن يتغيّر، وضمن هذا الإيقاع ينضم سعد الحريري الى جنبلاط المتحيِّن، والإثنان ينتظران عبثاً التغيير المستحيل، وكل الامنيات تتركز من جديد على «شقلبة» في الموازين الاقليمية.

العنف الذي أظهره وهّاب في مقابلته مع الزميل جورج صليبي، كان صادقاً في رسم خطورة الأيام اللي جايِّ، ومهما حاول وهّاب ان يغسل الأيدي الاقليمية أو المحلية من علاقاتها بالأهوال التي هدد بها الداخل اللبناني، فإن المقابلة تبقى «كوداً» موجّهاً من هؤلاء إلى الجميع محلياً وإلى حلفاء هؤلاء الاقليميين والدوليين.

ويعتبر العارفون ان من خلال دراسة «تحليل النص» لمقابلة وهاب التلفزيونية، ان القرار الظني المتوقع سيصدر مملوءاً بالوقائع والتفاصيل الجنائية، وسيذهب عميقاً في تسمية الأشياء بأسمائها الفاضحة، ولا تستطيع الدولة اللبنانية عندئذ أن تدفن رأسها في الرمال، وأن تتجاهل القرار وتعتبره أمراً واقعاً دولياً، بل عليها ترطيب المضمون وتسهيل هضمه لدى جميع الفئات، الفئة المتهمة والاخرى المتهمة بكسر الهاء، ومهما حاول الزعماء في كلا الفريقين تجاوز القرار الاتهامي، فإن الجماهير القابعة المستنفرة في الأحياء سوف تستدرج الى ميادين الاتهامات والدفاع، علماً ان اللون المذهبي لهذا الصراع سيكون فاقعاً يعيد النقزة الى العمارات التي يتجاور فيها العائلات المذهبية.

وفيما يحذر العارفون ان القرار الظني الذي حوّل اتهاماته من سوريا الى حزب الله، سيعمّق المذهبية التي غابت مؤخراً عن الأذهان، وسوف يضع رئيس الحكومة أمام خيارين أحلاهما صعب ومرّ، رئاسة الحكومة أم شعبيته التي فاقت كل التوقعات ولم يصل اليها زعيم شاب في الطائفة السنية كالتي وصل اليها سعد الحريري.
وفيما تبدو الاجواء ملبدة، والحلول شبه مستحيلة، يسأل العارفون: ما هو الحلّ؟ ويستدرك هؤلاء معتبرين أن الأفعى تقف الآن على ذنبها، تنتظر وتتحين المناسبة للانقضاض، فالقرار الظني الذي يخيّم على لبنان أصبح الآن في قبضة الولايات المتحدة وإسرائيل، يخرجانه من الأكمام كالسحرة والمشعوذين حين تدعو اللحظة او الحاجة، فيما اللبنانيون كعاداتهم، منقسمون، عاجزون عن معالجة المواضيع التي تفوق قدراتهم، لذلك لجأ البعض الى مناشدة المملكة العربية السعودية كي تتحرك من جديد باتجاه سوريا، لأن الاثنتين قادرتان على ضبط الشارع الملتهب والمشتعل بكل فتيل مذهبي.

وسوريا التي تحمل صك البراءة في التقرير الاتهامي المنتظر، هي غير سوريا المتهمة، لذلك فإن أي اتفاق سعودي - سوري، سينعكس هدوءاً، يستطيع تمرير او «بلع» اي قرار اتهامي دولي مهما كانت خطورته، علماً ان السعودية باتت على قناعة بإقرارها الكامل والتام بأن زيادة النفوذ السوري في لبنان هي من ضرورات إنجاح اي اتفاق، او مكافأة للتضحيات السورية بفرض الهدوء على الساحة اللبنانية.

وسوريا اصبحت حاجة للهدوء على الساحة اللبنانية، تغرّد اليوم في الاميركيتين، تعيش بسلام واطمئنان قلّ نظيرهما، فالعيون الدولية شاخصة صوب رئيسها، تتوقع حماية قوات اليونيفيل في الجنوب، وتنتظر كلمة السرّ لأمان جنودها. وسوريا كما هي وكعادتها تعرف جيداً قدرتها، وحاجة الآخرين لها، لذا تعتبر لبنان بات تفصيلاً بسيطاً في مشاريعها الشرق أوسطية، وهي تنكب حالياً على دراسة المشروع - الحل، لهضبة الجولان الذي وضعته الإدارة الاميركية، بتحويل الهضبة مع سهل الحولة الى «park» يطلق عليه اسم حديقة السلام العالمية.

والادارة السورية التي تدرس جيداً اقتراحات ميتشيل في هضبة الجولان، تدرك جيداً ماذا وراء الهضبة، وما هو الثمن المطلوب منها في لبنان، لذلك فان علاقاتها مع حزب الله، لن تزحزحها اي اتفاقات، خصوصاً عن الطلب المتزايد بأن توافق على ملف الاتهامات في القرار الظني التي ستصيب الحزب من خلال الهواتف الخليوية المزعومة.
«انتظر وشاهد» تعبير ينطبق حالياً في المرحلة التي يفتش فيها اللبنانيون عن احوالهم قبل صدور القرار الظني، فهل اعتقال جاسوس «الألفا» هو لوضع الماء في النبيذ، الذي سيضع ملف الاتصالات في دائرة الشكوك وعدم المصداقية ؟

← العودة إلى مختارات