إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

نهاية عاملي- ساطع نور الدين (السفير)

لا يمكن للراحل كامل الأسعد أن يسقط من ذاكرة جبل عامل ولا من تاريخه السياسي الحديث الذي لم يكتب بعد. لكن الصفحات التي ستفرد للزعيم الأكثر شهرة والأسوأ حظا، لن تفيه حقه ولن تنصف تلك التجربة التي كانت ولا تزال تثير الكثير من الحرج والقليل من الجدل لدى العامليين الذين تزعمهم يوما بمزيج غريب من الاستعلاء والاستجداء، وخليط من الإقطاع والحداثة.. المجتمع في شخصية مركبة عز نظيرها في الحياة السياسية اللبنانية في بداياتها الأولى في أواسط القرن الماضي.
لن يقع كامل الأسعد في دائرة النسيان التي وقف على حافتها طوال العقدين الماضيين، يحاول من دون جدوى أن يسترد ملكا أضاعه بنفسه، لا لعيب في تكوينه ولا في ثقافته، بل لتسرعه في تقدير حجم وأثر تلك الزلازل المدمرة التي ضربت جبل عامل ولا تزال، وتبقيه كواحدة من اشد مناطق التوتر في العالم إثارة للحروب والاضطرابات، وواحدة من أضخم بقع الانتشار العسكري الدولي التي تضم جنودا من نحو ثلاثين دولة، وواحدة من اخطر قواعد الصواريخ في المنطقة كلها.
وهو ليس فارقا في الشهرة فحسب بين الزعيم وبين بقعة زعامته التقليدية. ثمة من يحسب ومن يكتب ان العائلة الاسعدية كانت تمثل نوعا من الافتراق عن تاريخ جبل عامل المؤثر وربما أيضا المؤسس للمذهب الشيعي بصيغته المعاصرة. كانت مجرد لحظة عابرة في ذلك البعد الديني، التحقت خلالها الأسرة بالكيان اللبناني، لتشتغل بالسياسة وتقيم حدا فاصلا بينها وبين التراث الفقهي ورجاله الذين يشغلون المكان اليوم، ويلقون نظرة وداع بعيدة على الراحل كامل الأسعد، تكاد تقترب من الشماتة.
لكنه لم يكن خيار العائلة فقط، بل كان قدرها أيضا ان تجد نفسها مدعوة الى تمثيل جبل عامل بشيعته وسنته ودروزه ومسيحييه، في مرحلة السعي الى بناء الدولة التي حافظت حتى اليوم على صفات المزرعة، متجاهلة التهديد الاسرائيلي الدائم الذي لم يقتصر فقط على تهجير نحو ربع مليون فلسطيني الى لبنان، تقاطعوا مع الموجة اليسارية اللبنانية حتى كانت الحرب الاهلية التي كادت تطيح الكيان كله، لكنها استقرت في ما بعد على إعادة فرز مرعبة لسكانه ومؤسساته.. ومخيماته التي لا تزال تنتشر على حافة الحرب وموروثاتها.
في سجل الراحل، كزعيم ونائب ورئيس للبرلمان، الكثير من الأخطاء السياسية الكبرى التي تبدو اليوم وكأنها مزاح بالمقارنة مع الخطايا التي يرتكبها جيل اليوم، والتي لم تحرر جبل عامل لا من المخاطر على اختلاف انواعها، ولم تضمن اندماج سكانه في مجتمعهم، ولم تخرجهم من دائرة الاتهام بأنهم يعرضون البلد كله لتهديدات شتى.. ظهر معظمها في عهد كامل الأسعد، ونتيجة سوء إدارته، مع أبناء جيله الذين رحلوا بعدما كانوا مجرد شهود على ان بناء الدولة كان وهما سيظل اللبنانيون يطاردونه وسيكون العامليون بالذات آخر من يدركه ويتحسر عليه.

← العودة إلى مختارات