أي دولة عدا أميركا - ساطع نور الدين (السفير)
في بيروت، ثمة قلق غير مفهوم وغير مبرر من الحملة المتصاعدة في الكونغرس الأميركي على الجيش اللبناني، والتي تهدف الى وقف دعمه وتسليحه بحجة انه واقع تحت نفوذ حزب الله. وهي حملة سبقت اشتباك العديسة الأخير، لكنها اكتسبت نتيجته زخما اضافيا يمكن ان يؤدي الى تجميد برنامج جديد لتزويد الجيش بمعدات عسكرية تبلغ قيمتها مئة مليون دولار اميركي. ومع ذلك فإنها تظل من نوع المزايدات التي يلجأ اليها عادة انصار اسرائيل في الهيئة التشريعية الاميركية، لا سيما عشية اللجوء الى قواعدهم الانتخابية كما هو مقرر بعد شهرين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وهناك مجال للشك في ان تلك الحملة المدفوعة من جانب اسرائيل، هي ابعد من كونها تنافسا بين بعض اعضاء الكونغرس الاميركي على كسب اصوات اليهود الاميركيين، وأقرب ما تكون الى مسعى اميركي جدي لفرض شروط جديدة على المعونات المخصصة للجيش اللبناني... استفاد من اشتباك العديسة، الذي يمكن في هذا السياق الاشتباه بأنه كان كمينا اسرائيليا هدف الى البرهان على ان سلوك وحدات المؤسسة العسكرية اللبنانية غير موثوق، كما هدف الى اختبار رد فعل حزب الله وأدائه ودفاعاته!
وبغض النظر عن صحة هذا الاشتباه، فإن الجيش اللبناني أصبح بالفعل أمام امتحان اميركي صعب، يطرح السؤال المخيف حول ما اذا كان اعضاء الكونغرس ومعه الاسرائيليون قرروا رفع الغطاء عن تلك المؤسسة وشرعوا في البحث عن مؤسسات او خيارات لبنانية بديلة لتحقيق المصالح الاميركية والاسرائيلية في مواجهة حزب الله وحلفاء سوريا وإيران اللبنانيين. وهو احتمال بعيد حتى الآن، لانه سبق للاميركيين والاسرائيليين ان سلكوا هذا الطريق وعادوا منه خائبين اكثر من مرة خلال العقود الماضية من الازمة اللبنانية.
الاقرب الى المنطق هو ان الكونغرس وإسرائيل يريدان اليوم وضع لائحة توجيهات او تعليمات خاصة بدور الجيش اللبناني وجدول اعماله ومراكز انتشاره، تتناسب من وجهة نظرهما مع المئة مليون دولار الاضافية.. التي تقررت من دون مراجعة اميركية وإسرائيلية مسبقة للتجربة الماضية من التعاون المتجدد مع الجيش طوال السنوات الخمس الماضية التي اعقبت الخروج العسكري السوري من لبنان، والتي لم تشهد تلك المواجهة او حتى المحاصرة التي يتمناها الاميركيون والاسرائيليون لحزب الله وسلاحه!
هناك اذاً، دفع اميركي اسرائيلي في هذا الاتجاه، تحت ذريعة المعونة العسكرية الجديدة، التي لم تأت من فراغ ولا من الصدفة، لكنها جاءت في سياق برنامج اميركي مكثف لدعم عدد من الجيوش العربية والاسلامية التي تواجه تحديات خطيرة من اسلاميين يهددون المصالح الاميركية.. ولا تقتصر انتماءاتهم على التنظيمات الشيعية، التي تمثل من وجهة النظر الاميركية تهديدا بسيطا بالمقارنة مع التنظيمات الاسلامية السنية التي تشكل خطرا على السلم الاهلي والاقليمي والعالمي، على ما توحي به معركة نهر البارد التي يستخدمها الاميركيون دليلا على الحاجة الى دعم الجيش اللبناني.
ولهذا السبب المزدوج، لا بد من وقفة لبنانية تقاوم إغراء المئة مليون دولار، وتسعى إلى استبدالها بمساعدات او صفقات مع اي دولة في العالم، عدا اميركا، التي لا يمكن لاي عاقل ان يجهل مخاطر التحالف العسكري معها.