إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

استعداد لبنان للفتنة القادمة !! - محمد السماك (المستقبل)

لا مفاجأة في لبنان.
كل الأفرقاء في الداخل والخارج يرددون ان لبنان مقبل على فتنة جديدة. انهم يجمعون على تحديد طبيعة هذه الفتنة. ويقولون انها فتنة مذهبية بين السنة والشيعة. وهم يجمعون ايضاً على تحديد الشرارة التي سوف تشعل هذه الفتنة، ويقولون ان الشرارة هي في البيان الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وهم يجمعون كذلك على توقيت انفجار الفتنة. ويقولون انه الخريف القادم، موعد صدور البيان الاتهامي عن المحكمة الدولية في لاهاي. ولأنهم يعرفون طبيعة الفتنة وأسبابها وموعدها فانهم يستعدون لاستقبالها. ولكن أحداً من هؤلاء الأفرقاء لا يبدي استعداداً للعمل على قطع الطريق أمام الفتنة القادمة.. انهم يطلبون من الضحية أن تقدم المزيد من التضحيات.
أكدت التجارب اللبنانية على أمرين أساسيين. الأمر الأول هو أن يفتح اللبنانيون منابرهم لاستقبال مشاريع الفتن السياسية والطائفية والمذهبية القادمة من الخارج، أو الموحى بها من الخارج، أو التي تستجيب الى مصالح الخارج. ومن هنا كان شعار "حرب الآخرين" الذي تبناه الأفرقاء اللبنانيون كلهم لتبرئة الذات من دم هذا الصدّيق.. والأمر الثاني هو ان يتوجه اللبنانيون بصدورهم الى الخارج لاستنهاض همم المساعي الحميدة لوقف هذه الفتن وليس لمنعها.. وللمساعدة على تمويل اعادة بناء ما هدمته من عمار وبناء. هكذا فعلوا في الطائف في عام 1989، وهكذا فعلوا في الدوحة في عام 2008. وهكذا حاولوا أن يفعلوا قبل الطائف والدوحة في لوزان وجنيف.
وإذا كان توقيت استيراد الفتنة، أو استقدامها، مرتبط عادة بصراعات الأطراف المصدّرة، فان توقيت استيراد التسوية او استقدامها يتوقف الى حد بعيد على تسوية هذه الصراعات أو تعليقها. فاتفاق الطائف مثلاً، وان جاء استجابة لمساعي بذلتها اللجنة العربية التي شكلتها القمة العربية في الدار البيضاء، وثمرة للجهود التي بذلتها المملكة العربية السعودية تحديداً، فانها ما كانت لتثمر عن ولادة اتفاق الطائف لو لم تضع الحرب الباردة أوزارها.. ولو لم يسقط جدار برلين، ومعه الاتحاد السوفياتي، وبالتالي لو لم تتوقف الحاجة الى مسرح مفتوح للصراعات الاقليمية بارتباطاتها الدولية.. وكان ذلك المسرح المفتوح هو لبنان.
ولا يزال لبنان مسرحاً مفتوحاً لنوع جديد من الحرب التي تدور الآن حول الملف النووي الإيراني من جهة اولى، وحول الصراع حول هوية العراق ومستقبله السياسي، وحول مصير السودان بعد الاستفتاء المقبل حول تقرير مصير علاقة الشمال بالجنوب، وحول تجدد الصراع التركي الكردي من جهة ثانية، وحول الأفق المسدود الذي تواجهه القضية الفلسطينية، والعلاقات الفلسطينية الفلسطينية بين غزة والضفة الغربية.
عندما انفجرت الفتنة في لبنان في عام 1975 (واستمرت حتى عام 1989 عام انتهاء الحرب الباردة) كانت كل أطراف الصراعات الاقليمية متواجدة في لبنان ومتأهبة لاداء دورها فيها. كانت هناك الفصائل الفلسطينية المسلحة. وكانت هناك فصائل الحرس الثوري الإيراني. وكانت هناك القوات السورية. وكانت هناك الفصائل الحزبية المسلحة التي يمولها النظام العراقي السابق. ثم كان هناك الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان وبقاعه الغربي. ولقد شهد لبنان في تلك الفترة الطويلة جداً صراعات دموية بين القوات السورية والقوات الاسرائيلية. وبين القوات الفلسطينية والقوات السورية. وبين القوات الفلسطينية والقوات الاسرائيلية. وبين القوات الممولة من ايران وتلك الممولة من العراق. وكانت اسرائيل على خط هذه الصراعات تحريضاً وتمويلاً.. الا انه كان هناك عقلاء يعملون على محاولة اطفاء الفتنة، ويسعون لوضع صيغ للتسوية. الا انه لم يكن يُسمح لأي صيغة بأن ترى النور الى أن انتهت الحرب الباردة فتوقفت بقدرة قادر كل تلك الصراعات، ووجد اللبنانيون الطريق مفتوحاً الى الطائف، فكانت التسوية التاريخية.
غير ان المعادلات التي فتحت الأبواب أمام تلك التسوية لم تعد قائمة الآن. هناك معادلات جديدة تحاول أن تفرض ذاتها على المنطقة. وأول من يشعر بذلك هم اللبنانيون. ولذلك يتوقعون الفتنة، بل وينتظرونها، كمن يتوقع وينتظر وصول الاعصار. فلا هو يستطيع أن يحول مساره.. ولا هو قادرة على رده.
لرئيس الجمهورية اللبنانية الاسبق الياس الهراوي قول مأثور يقول فيه: " المنطقة تحبل بالأزمة وتولدها في في لبنان ". ففي المنطقة عواصف قوية تشير قراءة أحوال الطقس السياسي الى انها قد تتجمع لتصبح اعصاراً عندما تصل الى لبنان.
هناك العاصفة الفلسطينية بكل أبعادها. وهناك العاصفة العراقية بكل تداعياتها، وهناك العاصفة الإيرانية بكل تفجراتها النووية والمذهبية ؛ وفي لبنان عناصر لاقطة وجاذبة لكل هذه العواصف. وهي مستعدة لردف كل منها بالمزيد من قوة الاندفاع الأمر الذي يشكل من تلاقيها فوق لبنان عين الاعصار ومركز قوته التدميرية؟
ولقد أثبتت التجارب العديدة السابقة انه عندما يصل الاعصار الى لبنان فانه لا يفرق بين منطقة وأخرى. ولا بين طائفة وأخرى. وانه عندما يقتلع البيوت فانه لا يتوقف أمام هوية أصحابها، فيتساوى بين اشداقه الحليف والخصم.. وتأكل ناره الأخضر واليابس.. من برتقال سواحل الجنوب.. حتى تفاح أعالي جبال كسروان والمتن.
أن ينتظر الافرقاء اللبنانيون وصول الاعصار، لا يعني انهم يرحبون به. انهم يعرفون قدرته التدميرية. ويعرفون ان هذه القوة عمياء لا تميز بين أحد منهم. ولذلك فانهم يعدون سلفاً سيناريوهات الاتهامات المتبادلة، للتنصل من المسؤولية، ولإلقائها على الآخر. لم يسبق لأي فريق لبناني ممن تورط بشكل أو بآخر بالفتن الداخلية أن مارس نقداً ذاتياً.. أو اعترف بخطأ، أو تقدم باعتذار للمواطنين أو راجع حساباته ومواقفه علناً. التسوية اللبنانية تعني أن يخرج الجميع منتصرين بعد أن تستنفد اللعبة السياسية أهدافها، فيتوقف الدعم الخارجي الكريم -والكريم جداً- ليواجه لبنان من جديد مرحلة اعادة بناء ما تدمر.. بتقتير.. وبتقتير جداً. وهذا معنى الشعار الذي كاد يصبح جزءاً من النشيد الوطني: "لا غالب ولا مغلوب".
فالتسوية السياسية بعد اتفاق الطائف أدت الى تحول زعماء الميليشيات الى رجال دولة. والى انتقال المتقاتلين من الخنادق الى ثكنات رجال الأمن.
لم يعرف لبنان محاسبة ولا عقاباً ولا اي نوع من أنوع المراجعة ولا حتى العتاب. بقي الرجال هم هم وتغيرت ألقابهم. وبقي المتقاتلون هم هم، وتغيرت ملابسهم. حدث ذلك مراراً. في عام 1958، ثم في عام 1976، ثم في عام 1989. وهو مفتوح ليحدث مرة جديدة اذا ما خلّع الاعصار القادم الأبواب والنوافذ.. واذا ما اقتلع حتى الأسس التي يقوم عليها البيت اللبناني. كل شيء يمكن أن يتغير. أما الثابت الوحيد فهو أولئك القادرون على أن يصنعوا من دمار الفتنة صرحاً وطنياً شامخاً. يكون جاهزاً لاستقبال الفتنة التالية.

← العودة إلى مختارات