إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

مع رمزية رحيل كامل الأسعد: علاقة الشيعة بالكيان اللبناني بين الماضي والحاضر : تضخم الخصوصيات - وجيه قانصو (النهار)

السؤال عن العلاقة، بين الكيان اللبناني الذي يرمز إلى هوية وانتماء موحِّدَين ويُجسد الإطار الجامع والناظم لكل مكونات المجتمع وأوجه الحياة العامة، والشيعة بصفتهم مكوَّناً اجتماعياً ذا خصوصية دينية وثقافية، لا يفترض بالضرورة ثنائية فاصلة بينهما، بل هو سؤال عن التغذية والتأثير المتبادل، وعن منطق وبنية العلاقة الراهنة التي تحكم الطرفين، ومدى قدرة الكيان اللبناني ومسعاه التاريخي في هضم المُكوَّن الشيعي داخل نسيجه الاجتماعي، وصهره لإرادات هذا المكوَّن داخل مجال انتظامه السياسي العام، ومدى فعلية اندماج الشيعة داخل الكيان الجامع ومساهمة القوى الشيعية في بلورة وتثبيت هذا الكيان إطاراً ومرجعية نهائية وثمرة عليا لكل نشاط سياسي وتطلع ايديولوجي.
إنه بحث في العلاقة بين كائنين، يختلفان في وظائفهما وتمظهرهما الخارجي والتاريخي، وتَجمَعُهُما في الوقت نفسه روابط عُضوية، تجعل الواحد منهما شرطاً لوجود الآخر، وعاملاً مكوِّناً له. فلا الشيعة في لبنان تكوين ثابت ومغلق قبل الكيان اللبناني وبعده، ولا الكيان اللبناني شيء منجز وقائم بذاته، تمت إضافته إلى التكوين الشيعي، إضافة ضَمٍ ومُجاوَرَة. فكل تفاعل وتحوُّلٍ وقوة وضعف يَحدُثُ في أحد الطرفين، هو عين التفاعل والتحول الذي يحدث في الطرف الآخر. وكل تعريف وتصور ووظيفة ودور لطبيعة الكيان اللبناني هو بطريقة أو بأخرى تعريف وتصور ودور للتكوينات الدينية والتضامنات الداخلية، البِدْئِيَّةِ منها والطَوعِيَّة، والعكس صحيح. فالتكوين العام وليد التقاء الإرادات الخاصة وتوافقها على العيش في ظلِّ ناظمٍ أعلى ذي إرادة موحَّدة، والتكوين الخاص مرآة للعام في تفاصيل التزام هذا الخاص بقيم جامعة مع الخصوصيات الأخرى، وخضوعه لسلطة معنوية آمرة تملك حق إعلان (Declaration) المبادئ والتشريعات، وتنفيذها ولو بالقوة (Enforcement).
حديثنا عن الكيانين هنا، ليس حديثاً عن أسوارٍ إسمنتية نقولبها مرة واحدة ونهائية، بل هو حديث عن تكوينات تتحدد بغيرها وبما يميزها عنها في آن واحد، أي تتحدد بما تحمله من مائز ذاتي، وبما تفرضه عليها الترتيبات والبيئة التي تجمعها مع التكوينات الأخرى، من تفاعلات وتحولات ومسارات. فالكيانات الاجتماعية والثقافية والسياسية، العامة منها والخاصة، تتقوم بالتفاعل المتبادل بينها، وتخضع لمسار مستمر من التفكيك وإعادة التركيب. ما يعني أن فهم العلاقة بين الشيعة والكيان اللبناني، يتطلب التركيز على الجانب المتحرك الذي هو جانب تاريخي، وعلى الجانب الثابت الذي هو جانب بنيوي. فالجانب التاريخي يساعد في التعرف إلى سياق هذه العلاقة منذ بدايات تأسيس الكيان اللبناني وحتى زماننا الراهن، ليكون بالإمكان تفسير الكثير من تعقيدات وإرباكات الواقع الراهن، والكشف عن الوجهة المستقبلية لمسار هذه العلاقة بعد تحسس منطق علاقة مستحكم يستلزم نتائج حتمية مقبلة. أما الجانب البنيوي، فيُسهِّل الكشف عن ذلك الثابت الذي يتكرر ويستمر في كلا الكيانين، رغم تزاحم الأحداث المتعاقبة والمتغيرة، ليتم بذلك إزاحة النقاب عن مرتكز تكويني في الكيان اللبناني ظل يتحكم في متغيرات الأحداث وتتابعها، وعن ذهنية عامة يتسم بها الوعي الجمعي الشيعي، تشكل خلفية ومُوجِّهاً لكل أنماط العلاقات العامة.
مع إعلان لبنان الكبير، انفصلت الفكرة اللبنانية عن الفكرة العروبية، وأخذت تنسج لنفسها لباسها وعقيدتها وسياقها النفسي والتاريخي. إلا أن الإعلان عن الكيان لم يأت تعبيرا عن إرادة عامة وتجسيداً لالتزام اجتماعي مشترك بين جميع مكونات المجتمع اللبناني، بل جاء ليلبي خصوصية وتطلعات ملة خاصة داخل الكيان الجديد، الأمر الذي فرض سياقات سياسية وثقافية متفاوتة للملل الخاصة في قبول الهوية الجديدة والتكيف معها، ومسار اندماجها داخل إطار سياسي ناظم لها.
جاءت فكرة الكيان اللبناني ملبية لاستراتيجية الدول الكبرى آنذاك، وعلى قياس طائفي خاص. فبتنا نشهد ولادة كيان سياسي يسبق تكوينه الإجتماعي والثقافي، وأصبحنا أمام كيان يحضن وحدات سكانية وطوائفية مغلقة على بعضها البعض، لا تجمعها ذاكرة تاريخية موحدة، وتتسم بالإختلاف في الطبائع والأمزجة النفسية الجمعية، ولا يوحدها هوية متفق أو متسالم عليها، ولا توجد أطر اجتماع سياسي تصهر اراداتها وتدمج قواها السياسية، ولا مبادئ نظام سياسي واضحة وشفافة توزع الموارد بينها بنحو عادل. أي نجحت الفكرة اللبنانية في أن تصبح كيانا جغرافيا وسياسيا معترفاً به، لكنها بدأت فكرة جوفاء، تعوزها الهوية الثقافية الجامعة، وينقصها الإجماع على ثوابتها، وتعاني تعثرات تاريخية تسببت في مراكمة التناقضات لا امتصاصها، وزيادة الحواجز النفسية والثقافية بين الطوائف، مع العجز عن خلق مجال اندماجي عابر لها.
شكل الميثاق الوطني عام 1943، انطلاقة للكيان اللبناني، بصيغته السياسية والإجتماعية، على مبدأ الشراكة الإسلامية والمسيحية، ولم يعد وطنا قوميا مسيحيا. إلا أن هذا الكيان لم يتقدم خطوة واحدة في اتجاه ترسيخ الدولة الحديثة، التي تقوم على استقلالية المجال السياسي العام عن المكونات الاجتماعية الخاصة. إذ أنشأت الدولة، من خلال الدستور، بذرة نفيها من داخلها، حين تعاملت مع الطوائف كوحدات مستقلة بالكامل عن الدولة، وأنشات لها (الطوائف) صلاحيات ذاتية خاصة بها، مكنتها من منافسة الدولة نفسها في إدارة مساحة واسعة من السلوك الفردي والعلاقات الإجتماعية (الإرث، الأحوال الشخصية، العلاقات الزوجية، حضانة الأطفال، القيم والمعتقدات..)، الأمر الذي ضيق مرجعية الدولة في تنظيم وإدارة مصالح المجتمع وحمايته، وأقصاها عن مساحة واسعة من مساحات المجال العام، وتُرِكَ للطائفة ملء هذه المساحات، من دون أن تملك الدولة صلاحية حماية نفسها مما هو مناقض لجوهرها وحقيقتها ووظيفتها. كل ذلك أدى إلى تُشكِّل نظام مصالح داخل كل طائفة تزاحم المصلحة العامة وتقوضها، وتنشئ مرجعيات سياسية ذات ارتكاز طائفي لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها. كما أدى إلى تضييق خيارات الفرد السياسية، وإثقاله وتقييده بإكراهات الخصوصية الثقافية والدينية، التي تنامت مع الزمن لتصبح عصبية سياسية لاغية لعصبية الإنتماء للدولة، وموهنة لفاعلية التضامنات الاندماجية، ومُحدِثة ملازمة صارمة بين الإنتماء السياسي والانتماء الديني، تجلت بانقسام وصراع اجتماعيين حادين مع أدنى جدل سياسي.
أمام كيان طائفي فاقد لمجال عام مستقل، وللحد الأدنى من المعتقدات المشتركة والتمثلات العامة، عرف لبنان سياقات اجتماعية متفاوتة داخل تركيبته المجتمعية، سواء أكان متعلقاً بالإنخراط في مشروع الدولة أو في الإنصهار في بوتقة هوية ثقافية وسياسية جامعة. وقد ساعد على هذا التفاوت، هو أن أجزاء كبيرة من لبنان تم إلحاقها بلبنان الكبير، وهي أجزاءٌ كان أكثر شيعة لبنان من سكانها. ما وضع الشيعة أمام معضلة التكيف مع واقع جديد، لم يكونوا شركاء في صناعته، وأصبحوا أمام هوية جديدة تتمحور حول ذاكرة جبل لبنان وساحله، أي هوية لا تعنيهم بشيء وليسوا جزءا من تاريخها، وأصبحوا جزءاً من كيان لم يجدوا لأنفسهم مكانا فيه. هذا بالإضافة إلى الخلل الكبير، باستثناء عهد فؤاد شهاب، في التنمية الذي لحق بمناطقهم، ما جعل المسار الشيعي السياسي، على المستوى الشعبي، يأخذ شكلاً إحتجاجياً، وجد في الإيديولوجيات اليسارية ملاذا مريحا للتعبير عنه.
كانت معضلة الشيعة منذ بداية تشكل الكيان اللبناني مزدوجة، تتمثل من جهة في التكيف النفسي والاجتماعي مع الكيان الجديد، بمعالمه الثقافية المصطنعة وصيغته السياسية المجحفة في توزيع الموارد، وتتمثل من جهة أخرى في انتزاع الإعتراف بحقهم ودورهم السياسي داخل هذا الكيان. وهذا لم يكن ممكناً في البنية الإقطاعية القائمة، التي تنزع إلى إلغاء الحراك الاجتماعي وتضييق دائرة التعبير السياسي في المجتمع واختزال مصالح هذا المجتمع بمصالح نُخبة قليلة تؤمِّنُ لها سيادتها واستمراريتها.
بدأ الشيعة يتطلعون إلى أطر جديدة ناظمة، ويبحثون عن تضامنات سياسية جديدة وبديلة، تمكنهم من انتزاع الاعتراف بهم، وتُسهِّل انخراطهم في الحياة السياسية. فكانت الأحزاب اليسارية، ذات الخطاب الاحتجاجي على الواقع السياسي اللبناني والعربي، أحد تلك المداخل. حيث نجحت هذه الأحزاب في تعبئة الأجيال الشيعية الجديدة والناقمة على الواقع، داخل مشاريع ثورية ذات خلفية إيديولوجية وغايات انقلابية. وقد ساهمت التجربة اليسارية، في ظهور نخب شيعية جديدة منافسة للنخب الإقطاعية، وقادرة على التعبئة والتحريك الشعبيين، وعلى التعبير عن النقمة الشيعية والشعور بالظلم بمطالب سياسية واضحة. الأمر الذي كسر عزلة الطائفة الشيعية عن محيطها الاجتماعي والسياسي، وقذف بها من خلال نخبها الفتية في قلب المعركة السياسية الداخلية.
بيد أن التطلع الأممي والقومي لهذه الأحزاب، جعلها عاجزة عن الإستجابة للتطلع الشيعي الذي كان مستهلكاً في مطالب حياتية صعبة، أكثر من انشغاله بآفاق إيديولوجية أو ثورية. أي كان الهم الشيعي هماً اجتماعياً وحقوقياً وإنمائياً، في حين كان هم الأحزاب اليسارية، تغييرياً وانقلابياً، يطاول الكيان السياسي ومنظومة القيم الإجتماعية والدينية السائدة. ما أوجد مفارقة، بين أحزاب تهدف إلى تغيير النظام على وقع إيديولجي خاص، وواقع شيعي يطمح إلى أن يكون جزءاً من هذا النظام على وقع مطالب اجتماعية وسياسية.
بدا واضحاً، بحكم البنية الطائفية للنظام اللبناني، أن الشيعة كانوا بحاجة إلى أطر أو تضامنات خاصة من داخل النسيج الشيعي، وخطاب نابع من داخل تكوينهم الخاص، ينسجم مع مزاجهم النفسي والثقافي، ويتحسس تطلعاتهم الاجتماعية، ويعبر عن همومهم ومعاناتهم بمطالب سياسية مُحددة وواضحة، ويحقق لهم شراكة فعلية داخل النظام السياسي وفي عملية توزيع موارد البلد وخيراته.
استطاع الإمام موسى الصدر، تلبية هذه الحاجة، فكان مشروعه الأكثر فاعلية وقربا وفهما للخصوصية الشيعية اللبنانية. فعمل على تحويل الإحتجاج الشعبي إلى مطلب سياسي لا يقبل الاستثمار في مشاريع ثورية متحمسة، وإخضاع التطلعات القومية والايديولوجية للاعتبارات المحلية اللبنانية. كما عمل على تحويل الشعور بالحرمان والإجحاف إلى خطاب مطلبي وقوة انتظام سياسي وشكل تعبير إحتجاجي، فركز على العمق الإجتماعي لحركته مع تغييب كامل للمحركات الإيديولوجية، وشرع في تأسيس مؤسسات ناظمة لشؤون الشيعة الدينية والاجتماعية، ما جعل حراك الصدر السياسي يتخذ مع الزمن عمقاً وحضوراً لبنانيين، ساهم إلى حد بعيد في تقليص اغتراب الشيعة عن الدولة، وتسهيل اندماجهم بالكيان اللبناني، واندراج مطالبهم ضمن لائحة الاهتمامات الرسمية.
بيد أن تغييب الصدر، وتصدع مؤسسات الدولة زمن الحرب الأهلية وتفككها إلى سلطات محلية، مع طروء الاجتياح الإسرائيلي الكامل عام 1982 لجنوب لبنان، وإنسحاب السلاح الفلسطيني من المشهد، وقصور أو تقصير الدولة في معالجة محنة الجنوب المبتلى بالإحتلالات الدائمة، ما تسبب بفراغ ميداني واسع للدولة وانكماش لجدوى الدولة في وعي الشيعة، كل ذلك أدى إلى تراجع مشروع السيد الصدر، الذي رأى في الكيان والهوية اللبنانيين، مستقراً نهائياً لنضالات الشيعة، وفي الدولة اللبنانية مرجعاً حصرياً في إدارة الأزمات ومعالجتها وسقفاً أعلى لأي نشاط سياسي.
في لحظة الفراغ القاتلة تلك، ظهرت الثورة الإسلامية في إيران، وأظهرت عناية خاصة بالمكون الشيعي اللبناني، لأكثر من سبب، وبدأت تتشكل هوية جديدة ذات مضامين دينية عقائدية وتطلعات سياسية كونية لا تراعي ولا تتقيد في التزاماتها بالحدود الجغرافية والتاريخية لتواجد الشيعة، وتنافس بطريقة أو بأخرى مستلزمات الإنتماء للكيان اللبناني. أخذت هذه الهوية تدفع، بطريقة مُنَظَّمَة، في اتجاه ملء الفراغات التي سببها الاغتراب الظرفي عن الكيان اللبناني، وأخذ المحدد الديني- المذهبي يتوسع إلى درجة احتكاره جميع محددات الذات والهوية الشيعيتين.
شكل الإنخراط في مشروع الثورة الإسلامية في إيران، العابرة في شعاراتها وطموحاتها للحدود، وسيلة عند الكثيرين في لبنان لإثبات الذات والتعويض عن الحرمان، وفرصة عالية في بناء قوة ضاغطة ضد الإحتلال الصهيوني وضد تهديدات قوى الداخل. إلا أن الحاجة المتبادلة بين الثورة وأتباعها في لبنان، تحولت علاقة عضوية واستراتيجية لا يمكن تفكيكها، جعلت من مناطق نفوذ أتباعها، التي هي عملياً جميع مناطق الشيعة في لبنان، امتداداً إقليمياً للقيادة في إيران، وجعل من إيران العمق الحيوي الخارجي للطائفة الشيعية، الذي يضمن لها قوة عسكرية ومنعة سياسية ووفرة اقتصادية غير معهودة في تاريخ الشيعة في لبنان.
استطاع اتفاق الطائف أن يرفع معضلة حرمان الشيعة في لبنان، وانتقل اللاعب السياسي الشيعي ليصبح شريكاً حقيقياً في كل مجريات الدولة وإدارة شؤونها. بيد أن الطائف، أبقى على البنية الطائفية للنظام، ورسخ إيديولوجية أو فلسفة ميشال شيحا، في اعتبار لبنان مجموعة أقليات وإثنيات وحضارات وأعراق وطوائف، يكون السبيل الوحيد للتوازن بين هذا الخليط هو قيامه على قاعدة طائفية، ويكون التمثيل السياسي والاجتماعي العادل لهذه المجموعات، هما مبرر وجود لبنان ومبدأه. إذ بدون مشاركة هذه الجماعات كمكونات ثقافية ووحدات اجتماعية قائمة بذاتها داخل الكيان اللبناني، فإن هذه الجماعات ستتبعثر وسيتبعثر معها لبنان.
هذا يعني، أن صيغة الطائف أبقت الطوائف كيانات مغلقة، وساهمت في تضخيم وتغليب الانتماء الخاص على حساب الإنتماء العام، وعززت واقع الثنائية المتعارضة والمتصارعة، بين قواعد الولاء التي تنسجها قوى ونظم مصالح كل طائفة من جهة، وقواعد الولاء العام الذي أخذ يهِنُ ويذبل بسبب تآكل مؤسسات الكيان مع الزمن من جهة أخرى.
يمكن تلمس درجة معينة من ثنائية الإنتماء وازدواجية الولاء داخل كل طائفة. وهي ثنائية ذات جذور زمنية بعيدة في تاريخ الطوائف اللبنانية، إلا أنها اتخذت أخيراً وضعاً مقلقاً، خاصة في الطائفة الشيعية، حيث لم يقتصر الأمر فيها على ترسيخ ثنائية مؤسسية مع الدولة، بل أدى تنامي قوة الانتظام العسكري الخاص داخل هذه الطائفة (وهو قابل أن يسحب نفسه مستقبلاً داخل الطوائف الأخرى)، بالإضافة إلى لعب قوى داخلها لأدوار ومهمات محلية وإقليمية وانخراطها في تحالفات والتزامات دولية، إلى تجاوز حقيقة الأحزاب السياسية بصفتها قوى وسيطة بين المجتمع (أو الفرد) والدولة، وإلى انتزاع مساحة كبرى من مهمات الدولة وصلاحياتها، أو التصرف في بعض الممارسات كأنها بحكم المعدومة.
هذه الحقيقة تركت آثاراً ثقافية داخل المجتمع الشيعي، تمثلت في خلق حالة تساكن ملتبس ومتعارض بين انتماء عام ووعي بهوية جامعة من جهة، وانتماء سياسي-ثقافي خاص ذي عمق إيديولوجي وتسويغ اجتهادي مذهبي من جهة أخرى. وهو تساكنٌ تعمل مؤسسات ثقافية ومنابر إعلامية مُنظَّمَة، على الترويج له وترسيخه في مألوف الوعي الشيعي العام.
نجح الشيعة في انتزاع الإعتراف بهم وبحقهم، إلا أن بنية الكيان اللبناني الطائفية، حالت دون تشكل مجال سياسي مستقل ومرجعية عليا وناظمة للقوى المحلية. كما أن تقصير القوى والنخب الشيعية، في دوزنة الإنتماء المذهبي، وفي العمل على ابتكار وتعميم وترسيخ وعي مُرَكَّب يوازن بين العام والخاص ويحفظ لكل حقه وموقعه، بالإضافة إلى امتداد إيراني، ذي بعد استراتيجي وعمق إيديولوجي وإسناد ديني-مذهبي، لم يتم حتى الآن رسم حدود ضابطة له وحافظة في الوقت نفسه للخصوصية اللبنانية للشيعة. كل ذلك، خلق التباساً وتشويشاً شعبيين حول مقتضيات الإنتماء إلى كيان سياسي جامع لخصوصيات ثقافية ومذهبية متعددة، وحوَّلَ بعض القوى الشيعية، التي يفترض بها أن تكون منبرا مطلبيا للمجتمع وجسر اتصال بين الفرد والدولة، وحدات منعزلة وقائمة بذاتها ومُرسِّخة لسيادة عليا لها، يُمَكِّنُها من تنصيب نفسها، وحدة سياسية عليا ومرجعية الأمر النهائية دخل المكون الاجتماعي الخاص للطائفة.
يبدو أن لبنان واقع داخل دائرة مغلقة، تتمثل من جهة في الأثر السلبي الذي يحدثه تضخم الخصوصيات في الدخول في الدولة الحديثة، وتتمثل من جهة أخرى في أثر بنية الدولة الطائفية في تضخم هذه الخصوصيات ومنافستها لوظيفة الدولة. وهي حلقة يمكن الخروج من أسرها، بإحراز تحررين، أحدهما تحرير الدولة وإلغاء وصاية وتأثير الطوائف المباشر عليها، وثانيهما تحرير الفرد من استبداد الهوية الخاصة، من خلال استعادة مفهوم الهوية المركبة والمتوازنة بين العام والخاص، وتشكيل مجتمع سياسي يضم تضامنات تقوم حصراً على عقيدة الإنتماء الوطني العام. وهما تحرران، أو خياران، يبدو أن فرص تحققهما الحالية شبه معدومة، بحكم فائض القوة عند بعض الأطر الخاصة بما يتجاوز قدرة الدولة على ضبطه أو استيعابه، وبحكم احتكار الإنتماء الطائفي لمفهوم الهوية وحقيقة الذات، وهو انتماء آخذ في الانتفاخ بشكل خطير، ما يهدد بانفجار كارثي، أو بنهاية لبنان.

← العودة إلى مختارات