إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

أدوار، لا دور، للمسيحيين في المشرق العربي - طارق متري (النهار)

ابدأ بتأكيد ما أحسبه أمراً بديهياً، لا تعفيني بداهته من ضرورة تكراره. فالحديث عن المسيحيين في المشرق العربي، وان من زاوية "تراجع دورهم" كما يردد الكثيرون، لا يتيح التبصر الجاد ما لم نبتعد عن الجنوح إلى الشكاوى الأقلوية أو اللجوء إلى ترداد الخطابة الوطنية. والحوار الصريح والعلني بين المسيحيين والمسلمين، مواطنين متنوعي المواقف والإتجاهات، لا كتلتين متجانستين ومتقابلتين، يضيّق المسافة بين ما يبوح به البعض داخل جماعته وما يعلنه في الحياة العامة. فمحاذرة اللغة المزدوجة أول شروط الحوار النزيه وأحسب أنه، فضلاً عن همه المعرفي، يضمر القول أن المسألة التي تشغلنا لا تستدعي تضامن المسلمين مع المسيحيين أو تعاطفهم فحسب، بل قناعة بأن الحفاظ على وجود المسيحيين الحيّ وحضورهم هو لمصلحة المجتمع كلّه.
أول ما يثار لدى الحديث عن أحوال المسيحيين في المشرق العربي و عن همومهم هو المسألة الديموغرافية. ويرى البعض أن التناقص في أعداد المسيحيين، بفعل الهجرة أو غيرها من الأسباب، ينذر باضمحلال الوجود المسيحي. غير أن فئة أخرى، أكثر اطلاعاً على الأرقام، لا ترى الأمر بصورة هذا الافتراض، وان سألت سؤال الباحثين "كسوف أم أفول؟".
فمن المعروف أن الحقبة الممتدة من ربع القرن التاسع عشر الأخير حتى ربع القرن العشرين الأول كانت مؤاتية لتزايد المسيحيين السكاني في المنطقة حتى أن نسبتهم إلى مجموع السكان في البلاد التي تشتمل اليوم على سوريا ولبنان وفلسطين والأردن بلغت، بحسب احصاءات متوافرة من عام 1914، ما ينوف على الربع، غير أنها تدنت على امتداد القرن. والتقديرات الجدية تشير إلى أن هذه النسبة تدنّت اليوم إلى 10%.
وليس تفسير أسباب هذا التدني أمراً يسيراً. ولا يحسن الاكتفاء باختصارها في انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع معدلات الهجرة والتي تنسب باستعجال، في موجتها الثانية بصورة خاصة، إلى الشعور المتزايد بالغربة والقلق على المصير. فالكلام الشائع لا يلاحظ أن نسبة المسيحيين تناقصت تبعاً لفقدانهم التدريجي للافضلية في التعليم والصحة والاستقرار المديني وشبه المديني. وهو يتجاهل، عند الحديث عن انخفاض معدلات الخصوبة، التغييرات القيمية التي عزّزت الميل إلى السعي وراء النجاح الفردي أكثر من الاعتماد على التضامن الأسري.
أما الهجرة، وهي على موجتين، فلا يمكن اختصار دوافعها في الموجة الأولى بالهرب من الاستبداد العثماني والفاقة ولا في الموجة الثانية بالتخلص من المضايقات والاعتراض على حرمان المسيحيين بعضاً من حقوقهم أو تحسبهم لاحتمال فقدانها.
فالموجة الأولى لا تنفصل عن تزايد المسيحيين العددي، المطلق والنسبي، وعن تحسن أوضاعهم المعيشية. فلم يعد الاقتصاد قادراً على تحمل تبعات ذلك التزايد، اذا اتسع التفاوت بين نموه ومتطلبات الناس الجديدة. أما الموجة الثانية فإن بعضها مدفوع بالرغبة في الارتقاء الاقتصادي. غير أنها متأثرة، منذ اغتصاب فلسطين ونفي شعبها، بالإحتلال الإسرائيلي وبإضطراب السياسات العربية وانعدام الإستقرار، لا سيما بعد هزيمة 1967 واحتلال بقية أراضي فلسطين التاريخية وحتى حروب لبنان واحتلال العراق.
لم تكن الهجرة ومعها التناقص العددي، المطلق أحياناً والنسبي دائماً، هاجساً طاغياً كما صارت في العقود الثلاثة الأخيرة. ذلك أن الحديث عنها بات شديد التأثر بإتساع التعبير عن الهموم المتصلة بحقوق المسيحيين في المواطنة والمساواة ومشاركتهم الفاعلة في الحياة العامة ومخاوفهم مما يخبئه المستقبل. ولا يخفى على أحد أن حجم المشاركة السياسية والتأثير الثقافي للمسيحيين المتراجعين لا يقاسان بالوزن العددي، والشواهد التاريخية على ذلك كثيرة، قديما وحديثا. ولعله يمكن النظر إليها أيضاً، بالرغم من تعدد المؤثرات والتي لا تختص في الغالب بالمسيحييين دون سواهم، في مرآة الأدوار التي لعبتها، وتطلعت إليها أو اخفقت في القيام بها، النخب الثقافية والدينية والسياسية المسيحية وفي ادراك مواطنيهم لها.
غني عن القول أننا أمام أدوار للمسيحيين متعددة ولسنا بصدد دور واحد. فالقول بالدور الواحد ليس بعيدا من اصرار البعض على الإغلاق على المسيحيين والمسلمين في ثنائية الغالبية المتكاثرة والأقلية المتناقصة والمتراجعة، وعلى تخصيص المسيحيين بوظائف، كثيرا ما تحدد في مجالات الوساطة الاقتصادية والثقافية، يستعان بها أو يستغنى عنها، حسب العرض والطلب او في ضوء ما تأمر به او تسمح علاقات القوى الداخلية، وعلاقات الداخل بالخارج في بعض الحالات .
لم تكن الأدوار المتنوعة، والتي تتعدى الوساطة عند الحاجة، من فعل الزعامات السياسية. كانت بالدرجة الأولى أدواراً اضطلعت بها شخصيات ومؤسسات ثقافية وتربوية واجتماعية ودينية. وغالباً ما انشغلت، لا بأسئلة الهوية في غمّ الحداثة فحسب، بل بمسائل الدولة والمواطنة والاستقلال وبقضايا التحرر والحرية والديموقراطية وبهموم التقدم والعدالة الاجتماعية.
وإن الحديث اليوم عن تراجع ادوار المسيحيين متصل اتصالاً وثيقاً بضعف دولة الحق، و الأدهى منه اضعافها او بالأحرى إعاقة قيامها، ومعها المواطنة والمساواة. لكن الرد على تراجع الدولة والمواطنة لا يكون إلا في التمسك بالدولة وبتأكيد المواطنة، بديلاً من اعادة اختراع العصبية الطائفية، رداً على العصبيات الأخرى.
فالمواطنون أشخاص وليسوا مجرد أجزاء من جمهور مفترض يتكوّن بقوة العداء لجمهور آخر أو الخوف منه أو الصراع معه على السلطة. ولأنهم أشخاص، ولأن التنوع في مواقفهم وأحاسيسهم مصدر غنى وتعبير عن فهم حديث وعقلاني للانخراط في الحياة العامة بالسياسة أو الثقافة، فإنه لا يقي المسيحيين عن التراجع في أدوارهم تحوّلهم إلى جمهور يسير وراء زعيم له، قوي كما يقال يسعى لكي يحصر بنفسه تزعمهم بحجة تمثيلهم. بل على العكس من ذلك، فإن ممارسة الزعامة القائمة على تعزيز التماثل والمجانسة والضيق بالرأي المخالف، غالباً ما تحتمل المجازفة بمصائر المسيحيين، وان باسم الدفاع عن حقوقهم. ذلك أنه يرهن هذه المصائر، وان بصورة جزئية، لخيارات قادتهم السياسيين وتقلباتهم وأخطائهم.
ولعلّ المسيحيين يحتاجون إلى نخب تقودهم بدل أن تسودهم. والقيادة تعني في هذا المجال، فتح المسالك المتعددة أمامهم. وتعني أيضاً ألا يصادر السياسيون أدوار النخب الثقافية والدينية وان لا يسعوا الى استتباعها، وألاّ يدفع الخوف من المستقبل أفراداً من هذه النخب كثيرين إلى أن يُستتبعوا طائعين مختارين استنصاراً بشعبية الزعماء أو طلباً لرعايتهم.
ثم إن الخوف من تراجع أدوار المسيحيين، والتفجع بأحوالهم يستعجل تحقيق ما يخافون منه. غير أن محاذرة الخوف والتخويف لا تلغي أسبابه. وأحسب أنها اضافة إلى مشكلات الدولة والمواطنة، فضلاً عن دوافع الهجرة والإنكفاء المتعددة، تتضمن معاناتهم من موجات التعصب إلى حدود إلغاء الآخر المختلف. والمعاناة هذه لا تُشفى بواسطة الحماية، حماية الأقوياء للضعفاء، والتي تفترض نوعاً من الدونية؛ ولا من طريق تنصّل المعتدلين من سوء أفعال المتطرفين. فالتنصل ليس بعيداً عن اللامبالاة ولا يغيّر شيئاً كثيراً، اللهم إلاّ ارتياحاً عند أصحابه ورضى عن الذات عقيما.

← العودة إلى مختارات