إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

مبالغات الخوف المسيحي - ساطع نور الدين (السفير)

أغرب ما أثاره سينودس الشرق المنعقد حالياً في الفاتيكان هو ذلك التفجع على مصير مسيحيي لبنان تحديداً الذين بات وجودهم يقاس بالغالبية المفقودة والمهمة المفتقدة .. مع أنهم ما زالوا يمثلون الوعد المقبل والرجاء الآتي، بناء على أدوار يؤدونها اليوم، قد تبدو متواضعة بالمقارنة مع أدوارهم السابقة، لكنها ستثبت أنها حاسمة لاسترداد المستقبل من الغالبيتين الإسلاميتين اللتين تتنازعان عليه.
يجوز القول إن مسيحيي لبنان باتوا اليوم قوة فصل أو فك اشتباك بين السنة والشيعة، بالمعنى الحرفي، الأمني والسياسي، للكلمة، على الرغم من انقسامهم بين هاتين الغالبيتين. وهي وظيفة أسندت اليهم نتيجة مسؤولياتهم التاريخية عن البلد، أكثر مما هي نتيجة مؤهلاتهم السياسية، لعلهم في ذلك يحافظون على أنفسهم، ويحفظون الكيان من التفكك والزوال.. مع التسليم بأنهم في حالة استثنائية من الضعف والتردي بعد سنوات الحرب الأهلية التي دمرتهم أكثر مما دمرت المسلمين.
لكنه اختبار مهم لمسيحيي لبنان، الذين لا يحتاجون إلا إلى الالتزام بالحياد الإيجابي بين السنة والشيعة، الذين لم يعد بإمكان أي قوة أو هيئة في العالم أن تتوسط في ما بينهم، وتوقف سيرهم الحثيث نحو المواجهة التي يمكن لأي خطأ مسيحي في التعامل معها أن يكون قاتلاً. ليس المطلوب من المسيحيين في هذه المرحلة سوى أن يصمتوا قليلاً، ويفسحوا المجال للمسلمين لكي يحددوا أحجامهم ويرسموا الحدود في ما بينهم، ويشرعوا في محاولة تنظيم خلافاتهم وتقاسم حصصهم.. حتى ولو اقتضى الأمر التضحية أو التفريط بجزء من الحصة المسيحية.
لن يكون من الصعب التهكن أن المسلمين لن يتمكنوا من إدارة شؤونهم بأنفسهم، لأنهم يفتقرون إلى الثقافة والتجربة والرغبة، ولأنهم أيضاً يفتقدون الوحي والإلهام الخارجي الذي يمكن أن يقودهم نحو التعايش والتفاهم، ويبعدهم عن الفتنة المذهبية التي صارت قدر الدول والمجتمعات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم.. بناء على تطور سياسي طبيعي، يستحيل معه التفكير في عودة المسلمين إلى الحداثة، أو العلمنة على ما ينادي بعض الحالمين المسيحيين وبعض الواهمين المسلمين، في كتابات واكبت السينودس ودفعته خارج السياق الراهن للأحداث.
المواجهة حتمية، إن لم تكن بالسلاح فإن السنة والشيعة لن يعدموا وسيلة للعثور على أدوات أخرى للتعبير عن افتراقهم واختلافهم، الذي لم يكن يوماً يقتصر على العلماء والفقهاء بل كان على الدوام غواية العامة وهوايتها المفضلة. وإذا ظل المسيحيون خارج تلك المواجهة وبمنأى عنها فإن مستقبلهم سيكون واعداً أكثر من مستقبل أشقائهم في العقيدة الذين قادوا المسلمين أو ساهموا في إخراجهم من حقبات الانحطاط المتعددة التي مروا بها، وآخرها إبان الحكم العثماني، عندما كانوا شركاء فاعلين في حركة النهضة العربية في مطلع القرن الماضي.
وأي قراءة بسيطة للغد، تنبئ أن المسلمين، أو من يتبقى منهم بعد المواجهة بين أتباع المذهبين المتوترين، سيتوسل المسيحيين للبقاء وتولي إعادة بناء المخفر والمستشفى والجامعة والمصرف والوزارة، وإلا فإن لبنان سيكون مضطراً إلى استيراد مسيحيين من الخارج، لكي ينظموا المجتمع ويديروا الدولة.
لا خوف على مصير المسيحيين في لبنان.

← العودة إلى مختارات