الانبطاح العراقي واللبناني - ساطع نور الدين (السفير)
في خطبة يوم الجمعة الماضي في مسجد كربلاء في العراق، طلب الشيخ عبد المهدي الكربلائي، وهو ممثل المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني، من قادة الكتل النيابية الفائزة في الانتخابات أن تكون اجتماعاتهم وحواراتهم داخل العراق، لأنه ليس من الصواب ولا من اللائق الذهاب الى دول الجوار العراقي للبحث عن حل لأزمة تشكيل الحكومة.
النداء لا يعبر فقط عن عصبية وطنية عراقية مهددة بالضياع، بات يختزلها المرجع الشيعي الايراني الأصل المنقطع عن اصوله والمناهض لها، بقدر ما يحفز نقاشاً حول دور الخارج في انهاء الازمة الحكومية والسياسية العراقية، ويفسح المجال لمقارنة جذابة مع دور «الخارج» نفسه الذي يتعامل مع الازمة اللبنانية وفرقائها، ويستقبل بعض المسؤولين والسياسيين اللبنانيين ويقاطع بعضهم الآخر مثلما يستقبل بعض المسؤولين والسياسيين العراقيين ويقاطع بعضهم الآخر، ويعلن في النهاية اللازمة التي تستفز الجميع وتقهرهم: إن القرار للبنانيين والعراقيين وحدهم، والتدخل في شؤونهم الداخلية غير مقبول وغير ومسموح من أي جهة أتى!
ما قاله السيستاني عبر ممثله، ينسجم مع خطابه السياسي الدائم الذي واجه به المحتلين الأميركيين ودفعهم الى التسليم بخيار الانتخابات الذي تردّد ازاءه الرئيس الاميركي السابق جورج بوش، باعتباره السبيل الأمثل لمعرفة رأي العراقيين وتركهم يدبرون امورهم بأنفسهم. والمرجع بهذا المعنى يدافع عن نصيحته الاولى وفتواه الثابتة، التي تواجه هذه الأيام تحدياً خطيراً، حيث يثبت العراقيون انهم ليسوا مؤهلين لادارة بلدهم من دون تدخل خارجي، ويستدعون جميع دول الجوار الى شؤونهم ويحاولون الانتصار بها او بإحداها على الأقل، على شركائهم في الوطن.
لكن السيستاني يدرك كما يبدو من ندائه أن التجربة العراقية لم تصل الى مستوى الحالة اللبنانية التي تفتقر الى الحد الأدنى من اللياقة، ما يحول دون ظهور مرجعية دينية او سياسية لبنانية قادرة على توجيه مثل هذا النداء من دون أن تتعرّض للسخرية او الإدانة. هو لم يقطع الأمل بالعراق والعراقيين، برغم انهم صاروا مثل متسوّلين للسلطة في عواصم الجوار. كما انه لم يتخلّ عن ايمانه الدفين في أن جيران العراق جميعاً ومن دون استثناء يتربصون به وينتظرون فرصة الفراغ التام والفوضى الشاملة للانقضاض عليه، من الجهات الأربع.. او هم على أقل تقدير يتمنون ان تطول أزمته الى ما لا نهاية لكي يظلوا وسطاء وسعاة خير بين قومياته وطوائفه، ولكي يكسبوا المزيد من المناعة وربما الشرعية لأنظمتهم.
تكوين العراق وثقافته وعناصر قوته السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية تحول دون انحطاطه الى المستوى اللبناني، وتبقي دول الجوار كلها خائفة منه ومن ماضيه غير المطمئن لأي منها.. ومن الغطاء الأميركي لتجربته المتعثرة، مهما بدا هذا الغطاء مترهلاً حالياً بوجود الرئيس باراك اوباما. يفتقد لبنان الى مثل هذه الثقافة والمكونات، ما يعني ان الخارج سيظل حاسماً في أزمته، وسيظل اي لقاء بين دوله طموحاً يتطلع اليه اللبنانيون وحلماً ينشدونه اكثر بكثير مما يفعل اشقاؤهم العراقيون الذين يسابقونهم في الزحف على أعتاب عواصم القرار.