إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

السلطان أردوغان - ساطع نور الدين (السفير)

الشكل الذي اتخذته زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الى لبنان هو الأقرب الى المنطق الذي يسير الأتراك في علاقتهم مع العالم العربي بأسره: الاقتصاد يرسم السياسة الخارجية، والتاريخ يخدم المصلحة التجارية، ويعزز الصورة التي يتمناها اي مواطن تركي، إسلاميا كان إم علمانياً، مشرقي الهوى ام غربي الانتماء.. ويعلن خروج تركيا من أسر طموحها الأوروبي المحبط، ومن قيد ماضيها العثماني المجيد.
في عمق الشخصية الوطنية التركية تطلع دائم الى إعادة وصل ما انقطع مع السلطنة، التي شطبت من الذاكرة الجماعية بفعل فاعل أخطأ في تقديم الجغرافيا على الهوية، وكان كمال أتاتورك، الذي لا يزال اسمه يحتفظ ببعض القداسة حتى بالنسبة الى الإسلاميين الجدد الموجودين في السلطة الذين يعتبرون انه اضطر الى السير في المشروع الجمهوري الوريث للفكرة الامبراطورية الزائلة من اجل الحؤول دون المزيد من التفكيك المتعمد للبلد المريض والمهزوم، اختار التوجه غرباً فقط لكي يعبر عن تسليمه بالهزيمة، ولكي يلتزم بشروط المنتصرين التي كانت تريد تغيير وجه تركيا ولغتها وحرفها وروحها الأصلية.
جوهر ما يمثله أردوغان وحزبه الحاكم هو أن حقبة الهزيمة التركية انتهت، لا بالقوة العسكرية، بل بالقدرة السياسية والاقتصادية التي تجعل من تركيا حالياً دولة اقوى من 24 دولة أوروبية عضو في الاتحاد الاوروبي الذي يضم 27 بلداً، وصار بإمكانها ان تتطلع الى خارج حدودها من اجل افتتاح اسواق جديدة لمنتجاتها واستثماراتها، ومجالات متجددة لأدوارها السياسية المطلوبة والمرغوبة في كل مكان، حتى في إسرائيل.. قبل ان تعبر حكومة بنيامين نتنياهو في اعتدائها على أسطول الحرية التركي عن رفضها لأي مسعى دبلوماسي، ولو جاء بتغطية من الأميركيين انفسهم.
الانخراط التركي في اقتصاديات العالم العربي وسياساته هو أحد أشكال الانتقال الجديد في داخل تركيا من اسطنبول وأرستقراطيتها المرفوضة من الغرب الأوروبي الى أنقرة ومحيطها الباحث عن فتوحات اقتصادية وسياسية يمكن أن تصطدم بين الحين والآخر بعقبات وتحديات طبيعية، كما جرى مؤخراً في العراق وقبلها في فلسطين، لكنها لا يمكن ان تحيد عن ذلك الخيار الاستراتيجي في ان تصبح تركيا مركز الشرق الأوسط الجديد، من دون الاستناد الى اي احلام قومية او اوهام دينية، على ما يشاع في بعض الأوساط العربية والإسلامية، ومن دون أي عواطف مصطنعة ليس لها أي أساس في المجتمع التركي الذي يحتفظ حتى اليوم بنظرة سلبية الى كل ما هو عربي.
الأرقام والإحصائيات هي وحدها التي تحدد التوجهات السياسية التركية نحو عواصم ومراكز صنع القرار العربي. لبنان في هذا السياق تفصيل بسيط وهامش بعيد نسبياً، لن يحرف ولن يعطل بأي حال من الأحوال أياً من تلك التوجهات، لكنه يمكن ان يكسبها زخماً إضافياً.. مثلما يمكن ان يخدم صورة اردوغان كزعيم شعبي في تركيا يخشى كثيرون أن يقع ضحية زعامته القوية، فيطمح ربما الى استعادة عمامة السلطان الذي يحتل مكانة فريدة في ذاكرة الأتراك.

← العودة إلى مختارات