إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

فراغ القصر - ساطع نور الدين (السفير)

لم تقدم الجولة الأولى من الانتخابات النيابية في مصر، التي جرت الأحد الماضي، برهاناً على قوة الحكم المصري ورسوخه، ولا طبعاً حجم شعبيته التي لا تزال اقوى بما لا يقاس من قوة معارضيه جميعاً. كانت دليلاً إضافياً على هزاله وعلى قرب تفتته الى عناصره الأولى، وربما أيضاً على قرب عودته الى جذوره الأصلية، ذات المضمون العسكري.
تركت الجولة الاولى من الانتخابات الانطباع بأن الحكم شديد التوتر والقلق، اكثر مما خلفت الاعتقاد بأنه قادر على تنظيم عملية اقتراع معقولة ومقبولة، حتى داخل صفوفه المتعددة التي تصارعت في ما بينها على الأصوات، اكثر مما تنافست مع المعارضين الذين كانوا مجرد ديكور خلفي يراد منه ان يزين تجربة سياسية بائسة بكل المعاني.. لم تقرب احداً من المصريين من الاحساس بالاطمئنان الى أن المرحلة الانتقالية الراهنة ستمر بسلام وهدوء، ومن دون المزيد من الصراعات داخل البيت الواحد.
قبل التوجه إلى مراكز الاقتراع، كان هناك شعور شعبي عام بأن الحكم على اختلاف مؤسساته السياسية والعسكرية وحتى الأمنية، فقد هيبته ونفوذه، نظراً لتقدمه في السن وإصراره على عدم فتح نافذة صغيرة للتغيير الذي يمكن أن يستوعب قلق الشارع ويلبي بعض مطالبه الأساسية. وكان هناك تقدير شعبي ايضاً بأن الانتخابات التي اعتبرها الحكم فرصة لإعادة تنظيم صفوفه الداخلية، هي فرصة للاحتجاج غير المنظم وغير الواعي وأحياناً غير المنضبط.. الذي كان ولا يزال ينذر بانفجار لا تحمد عقباه، ولا يمكن احتواؤه إلا بالمزيد من البطش!
لم تبدد الجولة الأولى ذلك الشعور، بل عمقته. وصار الكلام عن تحسن صحة الرئيس حسني مبارك مؤخراً أشبه بمهدئ يفرض على الجميع، لا سيما داخل مؤسسات الحكم، تأجيل معاركهم الخاصة التي بدت في الشهور الماضية انها تقترب من لحظاتها الحاسمة، وتستدعي بسرعة البت في مسألة التوريث او الخلافة، لكي لا يتجرأ احد من خارج تلك المؤسسات على التعبير عن طموحه الى السلطة، على نحو ما جرى مع المرشح المفترض للرئاسة الدكتور محمد البرادعي الذي ضاع ترشيحه في خضم تلك المعارك الضارية.
اثبتت الجولة الأولى أن الحكم لا يريد منافسين من خارجه، ولا يريد شركاء او حتى أجراء يرفعون أيديهم عند الطلب. التعامل مع حركة «الإخوان المسلمين» ومرشحيها كان اشبه بكارثة سياسية، لن يحد من آثارها سوى ان الحركة نفسها هي في طور الانكفاء بعد أخطائها الفادحة في البرنامج السياسي المغلق الذي اعلنته قبل سنوات، او في الأداء السياسي السطحي الذي اعتمدته في الفترة الماضية في علاقتها مع السلطة ومع المعارضة. لكن الفراغ الناجم عن خروج ثمانين نائباً من الإخوان من البرلمان الجديد يطرح سؤالا خطيراً عن الجهة الإسلامية التي ستعمد الى تعويضه او الرد عليه...
كانت الجولة الأولى خطوة كبرى الى الوراء بكل المعايير، سيكون الحكم هو المتضرر الأوحد منها، لأنه اثبت عن ضيق افق ليس له مبرر، سوى ان القصر فارغ.

← العودة إلى مختارات