إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

المساعي لحصر "رد الفعل على القرار لا لإرجائه - سركيس نعوم (النهار)

هل ينجح لبنان بالجهات المتدخلة في شؤونه من خارج، وبمشكلاته المستعصية في الداخل، في ان يكون الساحة التي تمكن فرنسا نيكولا ساركوزي من ممارسة دور مهم يُلمِّع صورته ويُسهّل له البقاء في الإليزيه؟
متابعو الاوضاع الفرنسية في باريس ومتابعو الأوضاع اللبنانية بتشعباتها الاقليمية في بيروت يقولون ان الجواب عن هذا السؤال ليس سهلاً لأنه يتوقف على مجموعة عوامل وتطورات ومواقف بعضها لبناني داخلي، وبعضها الآخر اقليمي، وبعضها الثالث فرنسي. أما البعض اللبناني منها فمتنوع بتنوع اصحابه ويتناقض بتناقضهم. فمثلاً اشارت معلومات موثوق بها الى ان مرجعية لبنانية كبيرة أعربت اثناء اجتماع لها في بيروت مع جهة فرنسية رسمية عن نفاد صبرها من الغموض المحيط بـ"المحكمة الخاصة بلبنان"، وخصوصاً القرار الاتهامي المرتقب صدوره عن المدعي العام فيها وبموعد صدوره. وتساءلت في الاجتماع متى يصدر ولماذا لم يصدر بعد؟ واشارت ايضاً الى ان الجهة الفرنسية اجابت عن اسئلة عدة للمرجعية نفسها عن موقف حكومتها من المحكمة قائلة: ان سياسة فرنسا الرسمية هي دعم "المحكمة" الى الآخر لمعاقبة المجرمين ومنع الافلات من العقاب ومنع تكرار هذا النوع من الجرائم. ومثلاً ايضاً اشارت معلومات اخرى موثوق بها ايضاً الى ان "حزب الله" تلقى اشارات فرنسية غير مباشرة تفيد ان موعد صدور القرار الاتهامي الدولي صار قريباً جداً. وتوافق ذلك مع معلومات حصل عليها بوسائله التقنية مصدرها الجغرافي فرنسا اما مصدرها الفعلي فكان مرجعية لبنانية كبيرة الأمر الذي دفعه الى الاستعداد للأسوأ. ولاحقاً اشارت المعلومات اياها الى ان الفرنسيين وبعد اعادتهم تقويم الاوضاع في لبنان والمنطقة ومصالحهم ودورهم قرروا "التدخل" بطريقة معينة  تساهم في تهدئة الاجواء في لبنان، وتمنع انزلاقه الى العنف والفوضى والفتنة، قد يكون أبرزها السعي  لإرجاء موعد  صدور القرار الاتهامي. واشارت ايضاً الى ان هؤلاء الفرنسيين حققوا نجاحاً نقلوه في سرعة وعبر قنواتهم الديبلوماسية في بيروت الى قيادة المقاومة. ومثلاً اخيراً اشارت معلومات ثالثة موثوق بها ايضاً الى ان المحادثات التي اجراها زعيم "التيار الوطني الحر" وحليف "حزب الله" العماد ميشال عون في باريس مع الرئيس ساركوزي وغيره من المسؤولين الكبار كان لها دور بارز في تحقيق أمرين. الأول، اقناع فرنسا لاسباب تتعلق بهوية لبنان الوطن والدولة والكيان وباستمرار الدور المسيحي الفاعل فيه بضرورة عدم المساهمة في "طحن" "حزب الله". وهو ما تسعى اليه اميركا واسرائيل وعرب أخرون والعمل لتسهيل قيامه بدور وطني. اما الأمر الثاني، فهو اقناع فرنسا بضرورة استعادة دورها في لبنان وفي المنطقة وبعدم ترك الشرق الأوسط كله لأميركا . علماً ان ذلك لم يعنِ تحريضاً لفرنسا على الاصطدام باميركا بمقدار ما عنى تشجيعاً لها كي تكون جسراً يعبر عليه اللبنانيون ومنهم "حزب الله" واميركا وعربها الى نوع من التسوية.
أما البعض الاقليمي من خلفيات المواقف والتطورات السياسية اللبنانية فإن المعلومات المتوافرة عنها اشارت الى ان سوريا قطعت حتى الآن شوطاً مهماً في العمل مع فرنسا بغية ترتيب أوضاع لبنان، وايجاد حلول للمشكلات التي اثارتها "المحكمة الخاصة بلبنان" والتي قد تتحول لاحقاً سبباً لتطورات خطيرة سياسياً وميدانياً. وقد تحقق ذلك بالاتصالات واللقاءات المعلنة وغير المعلنة بين مسؤولين فرنسيين كبار مع مسؤولين كبار في سوريا في مقدمهم الرئيس بشار الاسد. لكن المعلومات نفسها اشارت في شكل أو في آخر الى تفاجؤ القيادة السورية بالمسعى الذي قام به العماد عون في باريس، واستغرابها نجاحه، والى عدم "سرورها" نوعا ما من هذا النجاح لأنها تعتبر نفسها المسؤولة وقبل اللبنانيين عن ملف بلادهم واوضاعها وخصوصاً في المحافل الاقليمية والدولية، وتخشى ان يجعل ذلك العلاقة بين الحزب والتيار تحالفاً حقيقياً ومتكافئا. وذلك لم يكن متوافراً في السابق.
أما البعض الفرنسي من المواقف والعوامل والتطورات التي لها علاقة بلبنان فقد تم التعرض لها أمس من خلال الاشارة المفصلة الى قرار التجديد الذي اتخذه ساركوزي، والذي استوجب اعادة اليمين الديغولي الى السلطة على الاقل رسمياً إن لم يكن فعلياً وفي صورة كاملة وقراراً آخر بالعودة الى ممارسة بلاده دوراً فعلياً وعملياً في لبنان والشرق الأوسط وربما في العالم.
هذه التطورات والمعلومات كلها ماذا سيكون أثرها على "المحكمة الخاصة بلبنان" والقرار الاتهامي المرتقب صدوره عنها وتالياً على الوضع في لبنان؟
الجواب كما يقدمه متابعو الأوضاع الفرنسية من باريس والاوضاع اللبنانية من بيروت انفسهم يشير أولاً، الى انه لم تحصل تسوية على القرار الاتهامي الدولي، والى انه سيصدر في موعده الذي يرجحون ألا يكون بعيداً رغم محاولات ارجائه الى اجل طويل او الى اجل غير مسمى. ويشير ثانياً، الى ان المساعي التي تقوم بها جهات اقليمية ودولية منها فرنسا تتركز ليس على "القرار الاتهامي" بل على مرحلة ما بعد صدوره. وهذا يعني ان البحث يدور مع الجهات اللبنانية وفي مقدمها "حزب الله" ومع الجهات  الاقليمية وفي مقدمها ايران وسوريا ليس على الامتناع عن اي رد فعل على القرار، وإنما على حصر رد الفعل في اضيق نطاق ممكن تلافياً لأن يغرق البلاد في فوضى. ولا يعرف أحد اذا كان هذا البحث سينجح أم لا، علماً ان ما يعرفه هؤلاء المتابعون ان سنة 2011 قد تشهد، وخصوصاً اذا ادى صدور القرار الى وضع جديد في لبنان ملائم للحزب وحليفه الاقليمي، ولادة موجة من العنف المناهض لهذا الوضع ربما تضعه على شفير الفتنة المذهبية.
هل تنجح فرنسا في استعادة دوريها اللبناني والاقليمي؟ ليس ذلك بالأمر السهل.

← العودة إلى مختارات