ميقاتي.. ما بعد الانقلاب - ساطع نور الدين (السفير)
المعيار الجدي الوحيد للحكم على رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي هو ما اذا كانت عودته الى السرايا ستمثل تصعيداً في الاشتباك السوري السعودي، ام ستشكل فترة هدنة واختبار متبادل، تمهد في مرحلة لاحقة لوصل ما انقطع بين دمشق والرياض.
ما بينته اقالة الرئيس سعد الحريري من رئاسة الحكومة، على الأقل من وجهة النظر السورية التي يمكن استقراؤها بصعوبة، انه ومرجعيته السعودية لم يكونا في وارد تلبية المطلب الأهم لدمشق وحزب الله، وهو فك الارتباط اللبناني بالكامل مع المحكمة الدولية، بل حاولا المناورة والمساومة على ذلك المطلب وربطه بشروط وصفت بأنها تعجيزية، لكنها في حقيقة الأمر كانت واقعية وكان يمكن الاستجابة لها بسهولة، على الأقل لامتحان مصداقية الرجل ورغبة القيادة السعودية في المصالحة مع سوريا.
عند هذه النقطة انهار كل شيء، وتقرر الانقلاب الدستوري، وجرى توجيهه ضد واشنطن بالتحديد، من جهة لإكساب المعركة بعداً وطنياً وقومياً، ومن جهة اخرى للإيحاء بان الامر ليس موجهاً ضد الرياض.. مع انه من المنطقي الاستنتاج ان دمشق التي حملت الاميركيين مسؤولية فشل المسعى السوري السعودي، لم تعد كما يبدو مهتمة بالحصول على توقيع الحريري ولا مصادقة السعودية، بل باتت معنية فقط بالحصول على توقيع اميركي مباشر على ورقة تعطيل المحكمة، التي لا يمكن ان تتعطل الا بقرار اميركي.
قررت دمشق قلب الطاولة في لبنان، والدخول في تحد جديد مع الخصوم اياهم الذين سبق ان نصحوها في العام 2005 بترك اللبنانيين وشأنهم، معتبرة أن الفرصة مؤاتية، لدى واشنطن وباريس اهتمامات خارجية اكبر بكثير من لبنان، وان لدى الرياض والقاهرة تحديات داخلية (اهمها الخلافة) أكبر بكثير من اي شأن خارجي.. كما ان لدى اسرائيل تقديرات مخالفة لما هو شائع عن الدور السوري المستعاد في لبنان، لا تستبعد فقط الحاجة الى الحرب، بل تلغي هذا الاحتمال من الأساس.
في المقابل، لاذت الرياض بالصمت، وأقفلت هواتفها في وجه الرئيس المكلف، لكي لا تتورط في موقف علني سابق لأوانه، ولكي لا تنجر الى مواجهة غير محسوبة وغير متكافئة.. ولا يمكن أن تبنى على فرضية ان الحريري هو رجلها الوحيد في لبنان، ولا على نظرية ان الاميركيين والفرنسيين يستعدون للردّ على سوريا بالمثل، خصوصاً ان اجواء واشنطن وباريس توحي بالعكس، او على الأقل بالتسليم بالأقدار اللبنانية التي لا تملك القدرة على الاشتباك مع دمشق او الانفصال عنها.. بل يمكن فقط ان تتسبب بعودتها المظفرة الى لبنان.
وطالما ان المهمة الوحيدة، والسهلة، لحكومة ميقاتي المقبلة هي انجاز فك الارتباط اللبناني مع المحكمة الدولية، وتحويلها الى مؤسسة ابحاث اكاديمية تصدر دراسات لا ترجمة لها على ارض الواقع، يمكن التكهن في ان معركة لاهاي ستحسم، بالتعادل، ما يفسح المجال امام الرئيس المكلف لكي يتحول من لحظة انقلاب سوري على السعودية الى نقطة التقاء سوري مع السعودية، تمدد بقاءه في السرايا أكثر من سنة واحدة.