ماذا تُعدّ المعارضة السابقة (قوى 8 آذار) لتوفير ظروف النجاح لميقاتي وحكومته ؟ - ابراهيم بيرم (النهار)
لا ريب أن ثمة في أوساط قوى المعارضة السابقة من بات شغله الشاغل العكوف على سبر أغوار الأسباب والعوامل الداخلية والخارجية التي أفضت الى الانقلاب الديموقراطي الذي حصل في المشهد السياسي اللبناني، والذي قذف الرئيس سعد الحريري وفريقه وبلمح البصر الى خارج دائرة القابضين على زمام السلطة ومقاليد الحكم.
لذا فان هؤلاء لا يسقطون من قائمة حساباتهم هذه ان في صلب هذا الانجاز الذي لا يستهان به والذي حقّقته المعارضة أخيراً بإقصاء خصمها الأعند والألد عن سدة السلطة الاجرائية، او بمعنى أنه في جوهر اسباب خسارة فريق الاكثرية لأكثريته أولا واستطراداً لما كان يتربع عليه منذ نيف وخمس سنوات جملة عوامل متشابكة تبدأ من تخلي حلفاء "الحريرية السياسية" عنها بعدما شكلوا لها طوال الفترة المنصرمة الرافعة الى مقام السلطة الأرفع وذلك تحت وطأة حملة الضغوط القاسية التي مارستها قوى المعارضة والتي تنوعت وتلوّنت مروراً بتخلي الحلفاء الاقليميين والخارجيين لهذه المدرسة السياسية (اي الحريرية) عنها بعدما أدّت لهم اصعب المهمات وآخرها الحيلولة دون سد السبل امام القرار الظني الموعود للمحكمة الدولية، وبالتالي صار لا بد من ازاحتها لأنها لم تعد قادرة على اداء ادوار ومهمات بعد بلوغ هذا الهدف الأسمى بالنسبة اليهم، وصولاً الى ان هذه الحريرية السياسية نفسها باتت فاقدة القدرة على التطور ومجاراة المرحلة على نحو يؤهلها لأن تكون ايضاً "عدة شغل" المرحلة المقبلة، مرحلة ما بعد القرار الظني وخصوصا بعد سلسلة الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها هذه المدرسة تحت وطأة الحدث الجلل نفسه.
لكن دوائر المعارضة عينها، وإن تكن عاجزة عن "كبت" سرورها بالانجاز الذي قيّض لها للتو وخط بالتالي على صفحة المشهد السياسي خطوطاً ومعالم جديدة مختلفة، بكل المقاييس والاعراف عن المرحلة السابقة التي لم تمضِ سوى ايام معدودات على انطوائها فان ثمة في هذه الدوائر عينها من أفاق سريعاً من "نشوة" النصر هذه ليشرع في التبصر بعمق في طبيعة المرحلة الآتية على صهوة التحول الجذري الحاصل حديثاً.
وبمعنى آخر، لا شك في ان في اوساط المعارضة من بات يفكر جدياً في أفق العلاقة التي ستربط بينها وبين رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي وفي مهمات الحكومة المقبلة التي سيبادر لا ريب الى تأليفها وفي وقت أقصر مما يظن ويراهن بعض رموز المرحلة السابقة. وعليه فان الدوائر عينها باتت تحضر نفسها وتعدّ عدتها للتعامل مع الأمور والتحولات على نحو مختلف عن تعاطيها مع المرحلة الآفلة، ولا سيما بعدما تشكلت اكثرية نيابية جديدة لذا فان هذه الدوائر تقيم على اعتقاد فحواه ان هذه الاكثرية التي شكلت رافعة ميقاتي لأخذ مكان الحريري في السرايا في وسط بيروت ليست اكثرية عابرة وسرعان ما ستتشتت وينفرط عقدها بل انها ستكون قاعدة متينة لمشروع سياسي ولمرحلة سياسية جديدة بعدما أضحت الحريرية السياسية حالة معزولة تخوض اشتباكات بشكل دائري مع كل المحيطين بها وكان آخرهم النائب وليد جنبلاط و"التكتل الطرابلسي".
الذين كانوا الى ايام خلت في عداد الاكثرية الحاضنة للحريري ورمزها الأول، اذا بهم وفي طرفة عين يغدون في "صف القتلة" وفق التعبير الذي استخدمه الرئيس سعد الحريري نفسه في مقابلته الاخيرة مع الصحيفة الاميركية (نيويورك تايمس) والتي شاء عبرها ان يعبّر عن شعور بالمرارة يعتمل في نفسه من جراء ما وصفه بأنه "خيانة حلفاء الأمس" له مما حال دون عودته الى سدة السلطة الاجرائية. وفي كل الاحوال لا تكتم اوساط المعارضة شعورها بأنها لم تخطئ قط عندما بادرت الى تلقف ترشح ميقاتي نفسه بالايجابية المطلقة والرفد والدعم، فهو قرار اتخذته بوعي كامل وخيار قررت السير فيه حتى النهاية، لأنه خيار صائب للمرحلة الحاضرة والمرحلة المقبلة.
و"الوعي" الذي تتحدث عنه قوى المعارضة السابقة، هو وعي ممتد ومتشعّب اذ انه يشمل وعي ما تطلبه عملية الانقاذ للوضع اللبناني الذي داخله التردي على أكثر من صعيد وبات عبئاً حقيقياً؛ ووعي لما هو مطلوب على صعيد التقاط اللحظة وعلاقات لبنان العربية والدولية.
من هذا المنطلق الواعي للحظة السياسية وشخصية ميقاتي وتاريخه وعلاقاته ونظرة العواصم الكبرى اليه، أخذت المعارضة السابقة، وفق الدوائر والاوساط عينها، قراراً حازماً بفتح كل الابواب سريعاً أمام هذا الرجل، لكي يمضي قدماً في اخراج حكومته الى الضوء في أسرع وقت.
ولا ريب أن المعارضة السابقة أدركت أن شخص ميقاتي ورصيده السياسي والمعنوي يجعلانه في وضع القادر على منع شبكة "الحريرية" السياسية من اغلاق الابواب أمام حكومته، كما كانت هذه المدرسة تفعل مع كل رؤساء الحكومات الذين سعوا في السابق الى الحلول محلها وبالتحديد، الرئيسين سليم الحص وعمر كرامي.
ولا تنكر الاوساط عينها أنها بدأت تفكر جدياً، في ما يتعدى اقصاء خصمها أي الرئيس الحريري عن رأس هرم السلطة الاجرائية، وهو أمر قد تحقق، بل شرعت في التفكير عملياً في كيفية تأمين شبكة أمان لئلا تتعثر حكومة ميقاتي العتيدة، وتراوح مكانها، فيكون ذلك بمثابة باب من أبواب عودة الفريق السابق الى المكان الذي أخلاه قسراً وخرج منه كارهاً.
ومن هذا المنطلق نفسه يبدو جلياً أن المعارضة السابقة قررت أن تترك لرئيس الوزراء المكلف سلسلة هوامش تحركه وحرية التحرك، لكي يكون في مقدوره في مهمة أولى، أن يستعيد الموقع الذي فقده "ظلماً" عند طائفته، الطائفة السنّية، ولا ريب أن الدوائر المعنية في المعارضة، بدأت تثق بعد التطورات المتسارعة الاخيرة على الساحة السنّية في أعقاب "حرد" الحريرية السياسية وعدم التجاوب الواسع للشارع السنيّ مع هذا الحرد وعدم تلبية مطلب هذه المدرسة بإعلان "الاضراب" السياسي، في أن ثمة تحوّلاً قد دخل هذه الساحة، الا أن المعارضة نفسها تراهن، وإن بشكل مضمر، على أن قابل الايام ولا سيما بعد خروج الحريري من السلطة الاجرائية، يحمل ايضاً مفاجآت أكثر سعادة على هذا المستوى، بحيث يتمكن ميقاتي من استيعاب هذه الطائفة، بعدما صمد "صموداً بطولياً" في وجه الضغوط الشديدة الوطأة التي مورست عليه في يومي الاستشارات الملزمة التي أفضت الى اختياره رئيس وزراء مكلفاً بأكثرية نيابية مريحة، فرضت واقعاً سياسياً لم يكن حتى الامس القريب في حسبان الكثيرين، ومنهم من هو في صفوف المعارضة. وإذا كان في صفوف الأكثرية السابقة من يراهن سلفاً على أمرين لاحباط ميقاتي سلفاً، وهما:
- عدم قدرته على التأليف المبكر والسريع للحكومة.
- عدم القدرة على ايجاد قواسم مشتركة، تجمع بين تطلعات ميقاتي ورغبته الجامحة في الانطلاق حراً من أي قيود أو شروط، حتى يحسن الاداء والتصرف، ويمسك زمام الامور على نحو يجعل حكومته تعيش أكثر من بضعة أشهر (6 أشهر) كما تضج دوائر قوى 14 آذار، وأولويات المعارضة ولا سيما التعاطي مع المحكمة الدولية والقرار الظني المقرر صدوره عنها قريبا جداً، فضلاً عن مسائل الاصلاح والمحاسبة التي هي أولوية فريق آخر في المعارضة السابقة.
في مقابل ذلك فإن المعارضة السابقة مطمئنة الى أمرين، الاول انها مطمئنة الى "سعة صدر" ميقاتي وقدرته على "الممانعة والصمود" وخصوصاً للضغوط من داخل طائفته، والثاني أن المعارضة السابقة أعدت العدة لاطار يمكن أن يجمع بين أولوياتها المعروفة، ورؤى ميقاتي المستقبلية ورغبته في ألا يلقى مصير كل من سبقه الى تولي المنصب اياه من خارج بيت الحريرية السياسية.
وبمعنى آخر عاهدت المعارضة السابقة نفسها ضمناً على بذل كل ما يمكنها لدعم تجربة ميقاتي الجديدة، وهي تجربة الراغب في أكثر من أن يكون على رأس حكومة انتقالية لفترة محدودة تجعله بدلاً من ضائع أو "ناطور المفاتيح".