حلم وائل غنيم - سمير عطاالله (النهار)
أدت "ثورة 23 يوليو" الى انقلاب شامل في هيكل مصر الاجتماعي والسياسي، وإلى سلسلة تحولات وتبدلات وخضّات عامة في العالم العربي. تقدمت نحو مراكز السلطة في العواصم فئة جديدة من طبقات المجتمع الحديث، هي فئة الضباط الذين كانوا مجهولين من قبل. ولم يعلن هؤلاء قلب النظام السياسي البرلماني داخل بلدانهم فحسب، بل وعدوا ايضا بتحرير فلسطين من هزيمة 1948، يتقدمهم جمال عبد الناصر، الذي شهد بنفسه تراجع الجيوش الخاسرة.
كرت في اثر مصر "ثورات" في العراق وسوريا واليمن وليبيا، بالاضافة الى ظهور المقاومة الفلسطينية المسلحة. وعمت المنطقة الدعوة الى الاشتراكية، ودخل الجمهوريون الجدد في تحالف او معاهدات مع الاتحاد السوفياتي، وفي مواجهة ايديولوجية مع اميركا وسائر الغرب، وخصوصا بريطانيا وفرنسا ما قبل ديغول.
كانت "ثورة 23 يوليو" بداية خريطة سياسية واجتماعية جديدة، عنوانها نهاية العلاقة مع الغرب في شكلها القائم منذ نهاية الامبراطورية العثمانية، وجعْل الشرق الاوسط ساحة رئيسية من ساحات الحرب الباردة، وتفكيك القواعد العسكرية الاميركية، فيما دخلت موسكو مياه المتوسط الدافئة، كما حلم بها بطرس الاكبر.
بكلام آخر، بدأت من مصر منتصف القرن الماضي اوسع حركة تغيير خلال اربعة قرون. كانت خلف تلك الثورة ثلاث علامات: جمال عبد الناصر، وراية الحرية الداخلية والتحرر الخارجي، والدعوة الى الفكر الاشتراكي الذي كان في ذروته بُعيد الحرب العالمية الثانية.
"ثورة 25 يناير" خالية، حتى الآن، من صورة رجل واحد او مجموعة، مثل "الضباط الاحرار". وقد نجحت في اسقاط "فاروقها" لكنها لم تطرح اي فكر او فكرة اجتماعية بديلة، في زمن انحسرت فيه الاشتراكية في روسيا والصين والهند. والمفارقة الثالثة انها لم تطرح اي شعارات عابرة للحدود، لا وحدة، ولا فلسطين، ولا استعمار. كل ما طرح في "ميدان التحرير" كان عبارة عن شؤون داخلية، لها علاقة بحياة المصري اكثر مما تمس بصورة مصر كدولة اولى.
هل لذلك علاقة بواقع مصر الحديث؟ مصر التي لم يعد طه حسين وزير معارفها، وغابت عنها "كوكب الشرق" دون بديل، ولم يعد محمد حسنين هيكل يكتب للعرب "مقالهم الاسبوعي"، ولا عادت الناس تذهب الى دور السينما كي تبكي على قصص بنات الصعيد وأمهات الترعة، ولا نجح علاء الاسواني في الحلول محل نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس ويوسف ادريس وفتحي غانم، الذين كانوا رواة العرب وحكواتييهم المعاصرين. هل لان مصر لم تعد في البيوت والمدارس والمقاهي؟
بدت مصر بعيدة وهي تغلي في "ميدان التحرير". بالاحرى بدت حدثا هائلا قريبا من اهل فرنسا او بريطانيا بقدر قربه من اهل العرب. تسمّر الناس في انتظار خروج حسني مبارك، لكنهم بدوا كأنهم ليسوا في انتظار احد. حتى غودو لم يكن متوقعا. وجعل باراك اوباما ابن امبابة يشعر كأنه شريكه في ظاهرة عالمية متوقعة وليس في ابداع مصري خاص.
أطل عمرو موسى حييّاً ثم غاب. واطل محمد البرادعي غير مقنع وبلا اي قدر من الكاريزما التي تسحر المصريين ساعات الفورة. فلا شيء فيه من "ناصر ناصر"، ولا شيء من انور السادات و"حافرمهم" وعصا الماريشالية، ولا شيء حتى من مبارك، الذي كان يعد خطبه طويلا، مدركا ان مصر ما هي الا امتداد للأزهر وتزهير اللغة وتفخيم الخطب.
دعت "25 يناير" الناس الى الثورة ثم وقفت حائرة. فهل هي مجرد ظاهرة من ظواهر "الفايسبوك"، ام هي هبة من هبات النيل وحوضه؟ واذ تردد صداها في الجزائر واليمن، بدا الخطاب واحدا والشروط واحدة والغاية واحدة: الحرية والكفاية وإبادة معالم الفقر. لم يحمل الجزائريون شعارات الاسلام ولم يتلفظ اليمنيون بكلمة "الثورة". فهذا مصطلح خطفه السادة الجدد. وقد حكم المشير علي عبدالله صالح اطول مما حكم الائمة والسلاطين، لكنه اطلق على المكوث الازلي اسم "ثورة 26 سبتمبر"! واما ثورة الفاتح منه، اي من سبتمبر ايضا، حفظك الله، فلا تزال في بداياتها. وقد ارسلت تحياتها وتضامنها الى الرئيس مبارك قبل يوم واحد من تنحِّيه، وبعد يوم من ذلك ارسلت تضامنها الى جماهير شعبنا العظيم في مصر.
تعثر العالم العربي بنفسه. فاجأه "ميدان التحرير" بعد نصف قرن من السبات الثوري المهيب. تطلع الجمهور الى بطل فإذا وائل غنيم يطل باكيا خارجا من سجنه ليقول للناس انه تأكد اكثر من معاني اهمية الحرية. لم يحدثهم عن تحرير مصر بل عن المرحلة الاولى من تحرير مصر: ان يكون هو حرا اولا، كي يصير في امكان مصر ان تتحرر. قديما قال الناصري في الجليل، او على جبل ما: "تعرفون الحق والحق يحرركم". كاد يكمل ان الجهل بالحق عبودية وظلمة وسواد داخلي مخيف. يقول الدكتور حسين كنعان ان ثمة خللا نهائيا قاضيا في لبنان، لأننا فرد حر وبلد مستعبد.
بعد سقوط الباستيل كتب مراسل "المورننغ بوست" من باريس، ان "على الانكليز ان يعجبوا بالثورة القائمة عند هذه الجارة". لا يزال جيران القاهرة حائرين، فيما تأمَّلها اوباما من البيت الابيض وذكَّرته بمارتن لوثر كينغ، امير البشرة السمراء، الذي لم يكفّ عن القول "انا صاحب حلم". وكان حلمه يومها صعبا، امامه اشواك ومن حوله اسلاك وبنادق وكلاب حراسة مجوَّعة، كما في فيلم "اللص والكلاب". ولكن ها هو ابن مزواج من كينيا، بلاد العدائين الاسطوريين، يقطع المسافة الى بنسلفانيا افنيو، ليتسلم الجائزة المشتركة من ابراهام لينكولن ومارتن لوثر كينغ.
قبل شهر واحد كان حلم وائل غنيم يبدو مستحيلا. كل شيء وكل فرد في مصر في مكانه: الرئيس في الرئاسة و"الرجّالة" في السياسة: صفوت الشريف واحمد فتحي سرور وخوفو وابو الهول. رجال لم يتبلغوا بعد ان احفادهم يدرسون احتمالات النصف الاخير من القرن الحادي والعشرين. واذا بأحد رفاقهم يقف في "ميدان التحرير" ويتساءل: "من قال اني اريد حسني مبارك أباً؟ انا اريده رئيسا. وعندما تنتهي ولايته يجب ان يذهب".
يريد المصري – مثل كل انسان – نظاما يمكّنه من البقاء في ارضه. عرفنا من برقية تأييد الجماهير الليبية العظيمة لشعب مصر العظيم ان عدد العاملين المصريين في الدولة الجارة هو مليون انسان. عام 2006 فتحت اميركا باب هجرة ضيقاً من طريق القرعة، اي من دون التقيد بالشروط المعهودة "للبطاقة الخضراء"، فكم مصريا تقدم بالطلب؟ لا تُضِع الوقت في التحزر: 8 ملايين مصري، او عُشر عدد سكان البلد.
لم يكن هذا الرقم يستدعي من حسني مبارك ان يعلن استقالته: عشر سكان مصر يطلب الهجرة بموجب قانون الحظ والقرعة، من دون معرفة اي عمل سيعمل وفي اي مدينة سوف يكون. لكن ذلك كان يستدعي، على الاقل، ان يعلن السيد جمال مبارك انه لا يفكر في طلب الرئاسة بعد ثلاثين عاما من حكم والده.
لا استطيع ان اقاوم سرد هذه الحكاية مرة اخرى: امضيت ساعة في لقاء مع المدير العام لصحيفة "آيرش انديبيندنت" في دبلن، تحدثنا خلالها عن الانتخابات في البلاد. ولم اعرف ان الرجل هو نجل رئيس ايرلندا وبطل استقلالها، ايامون دو فاليرا، الا بعدما تركت مكتبه. كان هذا كثيرا على لبناني مثلي يجب ان يبدي الوقار المطلوب اذا كان محدثه ابن رئيس مخفر، او رئيس جمعية مزاريب الحارة.
فقد حسني مبارك مقياس العلاقة مع البشر، ليس لنقص شخصي فيه. هذه عادة عربية قديمة. وباعتباره احد "ابطال العبور" ظن ان العبور شركة مساهمة تملك مصر. لم يجرؤ خوفو ورع على تذكيره، بأن نلسون مانديلا، اعظم افريقي في تاريخ القارة، غادر مكتب الرئاسة قبل يوم من موعد نهاية الولاية الرسمي. لم يجرؤ احد على ابلاغه ان غاندي، صانع اكبر استقلال في التاريخ، لم يطلب معطفا يتدثر به. لم يجرؤ صديق على مصارحته بان ثمة بابي خروج في التاريخ: باب مانديلا وباب احمد سوهارتو.
باب الى الفرح الدائم وباب الى الندم المضني.