مأزق لبنان وسط لاءين - رفيق خوري (الانوار)
ليس الاختلاف في التقدير بين ما تراه العيون وبين ما تريد أو لا تريد أن تراه سوى تعبير عن الخلاف السياسي الحاد. فالمشهد مرئي بالعين المجردة. والحشد في ساحة الشهداء ضخم بكل المعايير في بلد صغير مثل لبنان. والكل يعرف، بعدما تكررت المشاهد أنه ليس بالأرقام وحدها يُقاس نبض الشارع الذي صار أكثر من أي وقت مضى شارعين استطاع ويستطيع كل طرف أن يمارس فيهما سياسة الحشود الشعبية.
ذلك أن المسألة حال البلد، لا حال أي طرف. ولبنان اليوم في مأزق وسط لاءين كان لهما في السنوات الماضية شكل نعم. قوى ١٤ آذار ترفع لا كبيرة لسلاح حزب الله. وقوى ٨ آذار ترفع لا كبيرة للمحكمة. وليس في المسار السياسي ما يوحي أن الشعار مرشح لأن يصبح واقعاً. صحيح أن من الصعب تجاهل موقفين قويين: واحد لنصف الشعب اللبناني ضد السلاح، وثانٍ لنصفه الآخر ضد المحكمة. لكن الصحيح أيضاً أن تحقيق أي موقف دونه حسابات وعقبات بما يجعله مهمة شبه مستحيلة. فلا قوى ١٤ آذار تستطيع إلغاء السلاح أو حتى الخلاص من وصايته. ولا قوى ٨ آذار قادرة على إلغاء المحكمة أو حتى على وقف التزامات لبنان حيالها وحيال مجلس الأمن من دون ثمن باهظ لا قدرة للبنان على دفعه وتحمله.
وليس أكثر من الأخطار على لبنان سوى الخلافات على تحديدها. فما يراه فريق خطراً وجودياً يراه فريق آخر عامل حماية. وما هو محور يؤذي الانضمام اليه لبنان في نظر طرف، يراه آخر إنقاذ لبنان. حتى الاتفاق على خطر العدو الاسرائيلي، فإن الخلاف واسع حول وسائل المواجهة ومَن يمسك بها ويديرها، وسط سابقة لا مثيل لها في أية دولة هي خصخصة الدفاع عن لبنان.
لكن أكبر خطر على لبنان هو غياب الوحدة الوطنية. فالانقسام الوطني والسياسي وصل الى أعلى مراحل الاستقطاب. ولا مجال لتغطية الطابع المذهبي الطاغي، ولو كانت التلاوين الطائفية موجودة في كل فريق. أليس حراس النظام الطائفي في الداخل والخارج أقوى من أحلام اللبنانيين وحراك النخبة اللاطائفية لإسقاط النظام وإقامة الدولة المدنية؟ أليست الوحدة الوطنية حتى في ظل احتلال أكثر جدوى من الانقسام في ظل استقلال؟
التحدي الكبير أمامنا هو الخروج من المأزق. لا بالكسر بل بإقامة جسر. فالعنف يزيد من خطورته ويفتحه على سيناريوهات كابوسية، إن صار بعضها علماً لدى اليائسين من بناء دولة. وإذا كان الحوار بطيئاً وصعباً، فإن الغلبة مستحيلة.