القانون بين التطبيق والتشويه - هاني فحص (السفير)
«أعظم الذنوب ما استهان به صاحبه» رسول الله (ص).
كان الزعيم الاستقلالي اللبناني حميد فرنجية يقول: نحن أحرار بقدر ما نلتزم بالقانون، وقبل أيام تفاقم خوفي على مستقبلنا لجهة انتهاك القانون او تطبيقه بحرفية لئيمة منزوعاً منه مقصده الانساني.
وامثلة الانتهاك كثيرة، وما يظهر منها فاجع والمخفي أعظم، ومن أمثلة اللؤم ما شاهدته شخصياً في رحلة للخطوط الجوية العراقية من بيروت الى السليمانية الرقم 134. كان أحد ركاب الدرجة السياحية شيخاً يجلله الشيب ويضطره السكري للذهاب الى دورة المياه، وكان يبدو وكأنه صبر الى حد لم يعد في الإمكان ان يستمر، فوجد صفاً من الاطفال عند باب الحمام، ينتظرون طفلاً داخله، فاتجه نحو مقصورة الدرجة الاولى التي لم يكن فيها سوى مسافرين اثنين، ويبدو انه قرر ان يكون مهذباً فاستأذن الأكبر سناً من طاقم الطائرة فمنعه ملحاً على تطبيق القانون، من استخدام حمام الدرجة الاولى، فعاد الى مقعده بهدوء من دون ان يسمع اعتراضاً من احد الركاب!! وان يصل الامر في العراق او اي بلد عربي او إسلامي او مشرقي الى هذا الحد من الالتزام بالقانون، على قسوته، فإن ذلك بشير بمستقبل عظيم! والكل يعلم ان الواقع غير ذلك تماماً، من هنا تصبح هذه المزاجية القاسية وكأنها إعلان عن نهاية القانون. ولعل الاساس في هذا المسار التدميري هو ان حكامنا والمستكبرين من قومنا تجرأوا على مخالفة القانون وجعل هذه المخالفة قيمة مضافة معنوياً ومادياً، وطال الزمان على هذا السلوك حتى تحول الى ثقافة عامة، وكان من شأن العصبيات الطائفية والحزبية ان تزيد الطين بلة، عندما استقرت على حماية المتجاوزين من المحازبين والمنضوين في اغراء الجميع، الا اقوياء الارادة، بالتساهل في طلب الحق لتصبح الحقوق العامة بصورة خاصة على حافة النسيان لولا أن هناك من يصحو على الواقع الفاجع، فيتظاهر ويطالب ويضحّي من اجل العدالة والعدل.
ان ما يجري من حركات احتجاج وما هو منتظر منها، يلزمنا بأن نحولها الى مشاريع نهوض تحت سقف القانون، ولعلها يقظة بعدما طال نومنا جراء تخديرنا وتخويفنا وإلزامنا بالتأييد والهتاف لكبار المرتكبين والممثلين المزوَرين والمزورين للشعوب.
لقد ضاق صدر بعض العقلاء فطالبوا الحكام بالاكتفاء وبسرقة نصف موازنة دولهم وان يتركوا النصف الثاني لشعوبهم التي قد ترضى لأن ما يصلها اقل من ذلك بكثير.
عندما يقسم محمد (ص) مشدداً: «والله لو سرقت فاطمة بنت رسول الله لقطعت يدها» فإنه يضع الحجر الأساس، فما عدا مما بدا حتى يتحول التدين الى غطاء للسرقة والسارقين؟ حتى ان الفاسدين المفسدين لا يجدون حرجاً في استخدام النصوص ليعظونا بها، أي يتخذون آيات الله هزواً!!! ان الأخطر في هذا الشأن هو السعي المحموم الى تعميم قيم الفساد والحرام، كي يصبح الناس المأكول حقهم على دين ملوكهم وحكامهم في ما يعود الى التهاون في المال العام.
عوداً على بدء، أظن أو أؤكد أن ثقافة القانون راسخة في الثقافة المجتمعية الاوروبية، مع وجود المخالفة هنا او هناك، لكن في حدود، ومع جهوزية القضاء المستقل للبت من دون مراعاة المواقع العليا والعناوين الكبيرة (اي المساواة) مع لمحة انسانية عميقة يصبح معها من المستحيل منع مريض من الدرجة السياحية من استخدام دورة مياه الدرجة الأولى، لأن الحرفية في تطبيق القانون هي الإلغاء الأقسى لهذا القانون. أما اتكالنا على الموعظة والرادع او الوازع الذاتي او الديني، مع فقدان المثال الديني والمدني، فإنه أدى الى ليّ ذراع الشرع ورقبة الدين. ولا بد من التحرر والتحرير بالقانون... والا تحول الفساد في ثقافتنا وسلوكنا الى مطلب للجميع بدلاً من أن يكون العدل هو المطلب. هل يصحّ لمثلي ان يعتني بجزئيات وتفاصيل كالذي جرى في الطائرة ويجري في كل مكان؟ إن مرجعي في هذا قول رسول الله (ص) «لا تستهينوا بصغار الذنوب فيبتليكم الله بكبارها».