إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

«ما بعد فوكوشيما»: الطاقة النووية في دائرة التحفظ والمتجددة في باحة الأمل - حبيب معلوف (السفير)

بالرغم من مرور اربعة اسابيع على بداية كارثة تسربات المفاعلات النووية في اليابان، لا يزال السجال العالمي الواسع حول الطاقة النووية في بدايته. ولم تبالغ الكثير من الاوساط العلمية والسياسية في البلدان الاعضاء في النادي النووي عندما بدأت تتحدث عن «ما بعد فوكوشيما»، أي عن وضع سياسات الطاقة العالمية بعد حادثة فوكوشيما، بالاشارة الى ان لهذه الكارثة تداعيات كبيرة على الاستراتيجيات والسياسات للطاقة العالمية، تماما كما كان للازمة النفطية الاولى التي حصلت العام 1975 والثانية العام 1986، تداعياتها المفصلية.
فاذا كانت الأزمات النفطية في العالم هي التي شكلت الرافعة للوبي النووي العالمي كي يتوسع اكثر في العالم، هل تشكل كارثة فوكوشيما النووية الرافعة للطاقات المتجددة النظيفة في العالم، لاسيما ان هذه الكارثة الأخيرة قد اتت بالتزامن مع ارتفاع اسعار النفط وارتفاع كلفة معالجة زيادة مخاطر الطاقة النووية؟
للاجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة الى احصاءات الطاقة العالمية التي تظهر ان الامر ليس في هذه البساطة والسهولة التي يتخيلها بعض البيئيين المتحمسين للطاقة المتجددة ولمعالجة قضية تغير المناخ. فالانتاج العالمي للطاقة، بحسب إحصاءات وكالة الطاقة الدولية العام 2009، لا يزال يعتمد بنسبة 87% على ثلاثي الطاقة الاحفورية من نفط وفحم وغاز، وبنسبة 7% على الطاقات المتجددة (من مياه وهواء وشمس)، وبنسبة 6% على اليورانيوم (الطاقة النووية). وبحسب السيناريو الذي وضعته الوكالة نفسها، بناء على سير المحادثات السنوية للدول الاطراف الموقعة على الاتفاقية الاطارية لتغير المناخ، لا سيما بعد مؤتمر بوزنان نهاية العام 2009، فانه من المتوقع حتى العام 2035 ان يصبح الاعتماد على الطاقة الاحفورية بنسبة 78% والمتجددة 14% والنووية 8%.
فهل يمكن ان تحدث كارثة فوكوشيما اليابانية انقلابا في هذه التوقعات؟ وما هي الكلفة وحجم الدعم المطلوب من الدول الكبرى لتحقيق الانقلاب الكبير؟ وما هي المؤشرات؟
السجال في اوروبا
بحسب إحصاءات وكالة الطاقة الدولية ايضا للعام 2009 ، فقد بلغ دعم الطاقة الاحفورية في العالم 312 مليار دولار اميركي، في حين لم يتجاوز 57 مليارا للطاقات المتجددة. ولا تذكر الوكالة الدولية الدعم المقدم الى الطاقة النووية، كون هذه الطاقة لا تزال من اسرار الدول، وكون القطاع الخاص لا يزال يعمل على شكل «اللوبي» الفاعل والمؤثر سرا في السياسات والخيارات الكبرى.
لا يمكن الركون الى ما يحصل في اليابان، البلد المنكوب، لاعتباره مؤشرا الى مستقبل الطاقة النووية في العالم، خصوصا ان اعمال المعالجة لم تنته بعد والآثار المدمرة لم ترصد كلها بعد. الضجة الكبيرة للحدث الياباني كانت في الواقع، حسب رصدنا لكبريات الصحف والمجلات، في اوروبا.
الموقف الاميركي، ما بعد فوكوشيما يمكن تلخيصه من تصريح مستشار الرئيس الاميركي باراك اوباما لشؤون الطاقة وتغير المناخ جاسون غرومي في النيويورك تايمز: «انه من المبكر اخذ العبر والوصول إلى خلاصات محددة بعد ما حصل في اليابان وتأثير ذلك على خيارات الولايات المتحدة، ولكن امن الطاقة النووية سيكون بلا شك على رأس الأولويات في النقاشات القادمة حول استراتيجيات الطاقة في الولايات المتحدة والعالم في الأشهر القادمة».
اما السجال الحاد والواسع فهو الذي يحصل على صفحات الصحف والمجلات الكبرى يوميا بين مؤيد ومعارض في أوروبا، بين من يطالب بإعادة النظر باستخدامات الطاقة النووية وبين من يؤيد الاستمرار بتبنيها بضوابط مشددة. ابرز الآراء المؤيدة ما نقلته مجلة لو نوفيل اوبسيرفاتورفي عددها الأخير للوبي النووي الفرنسي الذي يؤكد «ان كارثة مفاعلات فوكوشيما لم تكن لتحصل لو ان اليابان كان يعتمد على المفاعلات الفرنسية من الجيل الثالث(ا ب ر)!»... وعندما تشتد المعارضة للطاقة النووية وتقدم البراهين بالاستناد الى التجربة الالمانية للحديث عن امكانية التخلي عن الطاقة النووية، يسأل اللوبي النووي عن مصير 200 ألف عامل فرنسي يعملون في الصناعة النووية وفي 58 مفاعلا فرنسيا ويؤمنون اكثر من 75% من الطاقة الكهربائية للدولة الفرنسية (بالمقارنة مع 25% في اليابان و20% في الولايات المتحدة الاميركية).
بعد مرور 25 سنة على حادثة تشرنوبيل النووية، احيا حادث فوكوشيما جدلا صاخبا في اوروبا كلها كونها تعتمد بنسبة 30% على الطاقة النووية لتوليد الكهرباء. ويتراوح الجدل (ولا سيما الذي يدور على صفحات جريدتي الموند والليبراسيون الفرنسيتين) بين داع للاستغناء التدريجي عن الطاقة النووية والمطالب بزيادة عوامل الأمان ووضع معايير قاسية وأكيدة وموحدة لدول الاتحاد.
بين المانيا وفرنسا
لعل المؤشر الوازن حول الاتجاهات العالمية للطاقة وتقدم الخيارات، هو في السجال الصاخب الدائر حاليا بين تجربتي كل من فرنسا والمانيا. فرنسا بكونها الدولة الاولى في العالم التيب تعتمد على الطاقة النووية بنسبة اكثر من 75 % لانتاج الكهرباء، والمانيا بوصفها الدولة الاولى في العالم التي اتخذت قرارات استراتيجية للتخلي عن الطاقة النووية كليا حتى العام 2020.
تعتمد المانيا على الوقود الاحفوري بنسبة 40% لانتاج الكهرباء، بينما تعتمد فرنسا على اكثر من 75% على الطاقة النووية لانتاج الكهرباء. لكن المانيا كانت تعتمد منذ ان توحدت العام 1991 على الطاقة المتجددة بنسبة 4% ووصلت الآن الى نسبة 18%، ووضعت هدفا استراتيجيا بان تصل الى نسبة 35% العام 2020، وذلك كي تتمكن من الاستغناء عن الطاقة النووية (التي تشكل الآن 30%) العام 2020.
بالمقابل كانت نسبة الطاقة المتجددة في فرنسا 11% العام 1991، التي تنتج بشكل رئيسي من الطاقة الكهرومائية ولا سيما من السدود الكبرى التي تم تشييدها العام 1950.
ولكن الطاقة المتجددة في فرنسا (من مصادر الرياح والشمس) لم تتقدم بعد 20 سنة سوى بنسبة 3%، لتصبح الان 14% ! وهكذا يستنتج خبراء الطاقة الفرنسيون المنحاذين لاراء حزب الخضر الفرنسي، ان المانيا اهتمت اكثر بفعالية الطاقة المتجددة وبتطويرها، كبديل عن الطاقة النووية، وقد نجحت في ذلك، وبالتالي يستخدم الخضر الفرنسيين هذا الواقع كحجة قوية لطرحهم الاستغناء التدريجي عن الطاقة النووية. ليس هذه وحسب، يركز الخضر على ضرورة اعطاء الاولوية لترشيد استهلاك الطاقة وضبط الطلب، عبر استخدام العزل الحراري المنزلي وأدوات التوفير واستبدال التكنولوجيا والتحول الى النقل العام كإجراءات ضرورية لتخفيف الطلب على الطاقة في المستقبل وعدم الاضطرار الى بناء مفاعلات جديدة.
بحسب احصاءات العام 2008، يستهلك الفرد الالماني من الكهرباء 6000 كيلواط ساعة في السنة، بينما يستهلك الفرنسي 7000 كيلواط ساعة سنويا. بالمقارنة مع استهلاك الفرد في ولاية كاليفورنيا الاميركي، الولاية التي تعتبر الاكثر تقدما في العالم، الذي لا يتجاوز 6000 كيلواط، يظهر ان الاستهلاك الفرنسي للطاقة هو الاعلى في العالم، لكونه يعتمد على الطاقة النووية بنسبة تتجاوز 75%، مما يعني ان المزيد من انتاج الطاقة، يعني زيادة في الاستهلاك، وان المطلوب ترشيد الاستهلاك وليس زيادة الإنتاج.
كما تبين الدراسات ان عدد السخانات الشمسية في المانيا هو عشرة اضعاف عددها في فرنسا بالرغم من ان الامكانيات الشمسية الطبيعية في فرنسا هي اكبر بكثير منها في المانيا. ما يعني ايضا ان تغيير السياسات يمكن ان يؤمن فرص اكبر لتأمين الطاقة من مصادر نظيفة.
تأثيرات مباشرة
كانت خطة المانيا، في عهد حكومة تحالف الخضر مع الاشتراكيين، التي تقضي بالتخلص من الطاقة النووية كليا العام 2020، قد تعرضت لنكسة العام الماضي، مع خضوع الحكومة الالمانية لضغوط اللوبي النووي وتمديد عمل بعض المفاعلات لسنوات اضافية، الا ان حادثة فوكوشيما عادت وشدت الاحزمة واكدت صحة خيار التخلص من الطاقة النووية في التواريخ المحددة، وذلك تحت ضغوط التظاهرات الضخمة ضد الطاقة النووية التي جمعت اكثر من 60 الف متظاهر شبكوا ايديهم ليشكلوا سلسلة بشرية بلغ طولها 45 الف كيلومترا للاعتراض على «تمديد النووي في المانيا». وقد طالبوا بضرورة البدء باقفال مفاعلين فورا يعود تاريخ بنائهما للعام 1974، وكان يفترض ان يقفلوا بحسب خطة حكومة شرويدر العام 2011.
وكانت ايطاليا التي لم تركب موجة الطاقة النووية تاريخيا ولا سيما بعد درس تشرنوبيل، قد تراجعت عن تحفظاتها التاريخية العام 2008 ووضعت برنامجا وهدفا استراتيجيا لتوليد 25% من طاقتها الكهربائية من مصادر نووية حتى العام 2030، الا ان الحكومة الايطالية، بعد 4 ايام على حادثة فوكوشيما فقط، اتخذت قرارا بوقف خطتها لمدة سنة، كي تعيد دراسة وتقييم خياراتها.
تظاهرات عابرة للدول
لعل اهم ظاهرة جديدة في اوروبا بعد حادثة فوكوشيما، هي البدء بتظاهرات مشتركة بين ناشطين ومناضلين بيئيين في اكثر من دولة. كان ابرز هذه التظاهرات التي انطلقت في الشهر الماضي (20 آذار) التي نظمتها منظمات ايكولوجية من بلدان المانيا وفرنسا وسويسرا ضد الطاقة النووية. آخر هذه التظاهرات المشتركة كانت اول من امس (الاحد) امام اقدم مفاعل فرنسي عامل وقديم في فيشينهايم الذي يقع على الحود بين فرنسا والمانيا وسويسرا والذي يعود عمره الى العام 1977. وقد رفع المتظاهرين لافتة كبيرة كتب عليها «فوكوشيما، لا شكرا». وتتحضر هذه المجموعات الى تظاهرة كبيرة ومشتركة ايضا في 25 الجاري تحت شعار:« يجب الخروج من النووي المدني والعسكري، قبل ان تقع كوارث اخرى».
أية كلفة؟
المحطة الثانية للسجال الاستراتيجي حول خيارات الطاقة بعد عرض المخاطر والبحث عن البدائل، هي الكلفة. يسارع دائما اللوبي النووي او ذاك الاحفوري الى الحديث عن الكلفة العالية للطاقات المتجددة وعدم كفايتها والمساحات الكبيرة التي تحتاج اليها. لكن المدافعين عن الطاقة المتجددة يركزون على ضرورة عدم احتساب الكلفة في الإنتاج فقط، بل في التوفير أيضا. فالمنزل الذي يعتمد كل إجراءات العزل الحراري، يستهلك طاقة اقل، كذلك الأمر بالنسبة الى استخدام الأدوات الموفرة واعتماد النقل العام وغيرها من الإجراءات. اما لناحية المقارنة، فيؤكد أنصار الطاقات المتجددة ان كلفة الطاقات المتجددة في انخفاض مستمر بنسبة 5% سنويا، بينما الطاقات الاحفورية بارتفاع مستمر بسبب اقتراب الوقود الاحفوري من النضوب، وبسبب ارتفاع كلفة السحب من الأعماق... كما ان الطاقة النووية الى ارتفاع بسبب نضوب اليورانيوم أيضا على المدى البعيد وارتفاع كلفة الصيانة وتطوير نظم الأمان (بعد كل كارثة)، وبسبب ضرورة الصرف في المستقبل على ايجاد طرق معالجة دائمة للنفايات النووية المشعة.
تجدر الإشارة الى ان السجال الحالي المتجدد حول الطاقة النووية يتركز بشكل رئيسي حول نظم الأمان للمفاعلات لكنه لا يطال موضوع النفايات النووية الخطرة المنتجة، مع العلم بأن بلدا نوويا مثل فرنسا ينتج ألف طن من النفايات المشعة سنويا، التي كانت تشحن الى سيبيريا وتم وقفها العام الماضي، لم يقدر احد بعد كلفة معالجتها بشكل آمن ونهائي، كون كل المعالجات حتى الآن تعتبر موقتة وغير آمنة!
دروس واستشراف المستقبل
بناء على ما تقدم، وبينما تنعقد في هذه الأثناء اجتماعات في بانكوك تحضيرا للقمة التي ستعقد نهاية هذا العام في دوربين في جنوب أفريقيا حول قضية تغير المناخ، يظهر يوما بعد آخر مدى ترابط قضية كيفية التزود بالطاقة ومصادرها مع اكبر مشكلة عرفتها البشرية وهي تغير المناخ. كما تطرح جدية الدول في التعامل مع قضية دعم ونقل التكنولوجيا المنتجة للطاقة النظيفة. فكما هو معلوم، ان ميزة الطاقات المتجددة، انها في طبيعتها لامركزية ومحلية، ولا تحتاج الى معامل (احفورية او نووية) مركزية وكبيرة، وهي مسألة ليست بسيطة بالنسبة الى الشركات الاحتكارية الكبرى التي تريد ان تستثمر في منشآت كبرى ومعقدة، لكي تبقي المستفيد من الاستثمار تحت سيطرتها الأبدية... وهذه المسألة التي تشكل عائقا رئيسيا امام تقدم الطاقات المتجددة، تحتاج الى دعم من موازنات الدول بعد تغيير سياسات هذه الاخيرة والتحرر من سيطرة الشركات واللوبيات النفطية والنووية.
فهل يمكن للعالم ان يحول الازمة النووية الحالية التي لم تنتهي فصولا بعد في فوكوشيما، الى فرصة تاريخية للانتقال الى الطاقات النظيفة ودعمها واعتمادها في السياسات المستقبلية للطاقة كسلة متكاملة من الطاقات الهوائية والمائية والشمسية والعضوية... مع سياسات جديدة لضبط الطلب والترشيد في الاستهلاك؟
وهل يمكن للبلدان النامية التي لديها رأسمال طبيعي وغنى بالشمس والهواء (كلبنان)، أن تستفيد من دروس البلدان «المتقدمة» التي وصلت الى المأزق، والبدء بالاستفادة من مواردها المتجددة بدلا من التورط مع شركات احتكارية كبرى لتقنيات خطرة او بائدة؟

← العودة إلى مختارات