الخوف حتى من الفرح - سمير عطالله (النهار)
تظهر شهور الغليان الاخيرة، مغرباً ومشرقاً ويمناً بلا سعادة، ان لا الدولة كانت قائمة في العالم العربي، ولا الثورة كانت افضل مما هدمت. وقد مرّ من عمر الأمة وحياتها نصف قرن يمكن ضمه بكل راحة ضمير، الى قرن من الاستعمار الغربي او خمسة قرون من الحكم العثماني: تجلد عام على غياب الحرية، وتجمد في غياب التطوّر والتقدم. الا اللمم.
تحت شعار الثورة أزيلت دول الاستقلال. ووصلت الى الحكم هواجس كثيرة لا يرافقها أي حلم بقيام الدولة العادلة والمواطن الحر. وورث الشرطي العربي عن الشرطي التركي عجرفة الغريب وصلف الموقت. وخلطنا بين القومية والجهل. وقامت على صدر الامة دولة تصنع دباباتها وصواريخها، فيما لا نزال نعتبر مصانع النسيج حدثاً ومنّة. وفسّرنا القومية بأنها تقبل للفقر وقبول بالاستبداد، ومحونا منها عزة الفوز بالحياة وابقاء قداسة الارض.
لذلك تُستقبل فورات التغيير الآن بمزيج من الفرح والارتياب والتخوّف، فالتغيير يقوم في بلدان معظمها بلا مؤسسات وبلا اجهزة قضائية مستقلة، والقوانين فيها اهانة لمن يلجأ اليها. لم نعتد ان نرى الناس في الميادين تهتف للحرية وتندد بالفساد. نزل 200 الف رجل الى شوارع الدار البيضاء يهتفون لصدام حسين لانه ابلغهم انه ذاهب الى فلسطين، من طريق الكويت. لم يعلمنا احد ان الوطنية الحقيقية كدّ وجهد وعلم، وخروج الى العصر الصناعي، الذي حرر الفلاح من رقّ النير والاتكال على الثور.
غرقنا، طائعين، مهللين، في بحر اللفظات. وفي بحر الولادات. وقالها الفريق أمين الحافظ يوم استولى على الحكم في دمشق، بكل اعتزاز: نساؤنا حبالات ولادات. اي ان سلاحنا في وجه اسرائيل التي تبيع الصين طائرات، هو في غرفة النوم. ومعلوم ان نصف بيوت الامة والولادات مؤلفة من غرفة واحدة وطنجرة حليب وبضعة أرغفة. امضينا عمراً ندعم استقلال اريتريا وقدمناها احياناً على فلسطين. وفور استقلالها اصيب رئيسها أسياس أفورقي بمرض في الدماغ، فإلى اين نقل على عجل؟ الى اسرائيل. فهو يطمئن الى المال العراقي، والاعلام اللبناني، أما الجراحة ففي اسرائيل.
تقدمت الامم ونحن قعود. واذا قمنا فلكي نقاتل بعضنا البعض. دائماً محملين بأطنان الذرائع واكوام الخطب. ولا شيء في الارض يبرر السبات في الجهل والتخلّف. عندما سافرت الى أوروبا كان قد مضى 15 عاماً على نهاية الحرب التي دمرت القارة وافنت طاقاتها. وبعد عقد ونصف عقد لم يكن ثمة أمر لمدن الرماد وعداوات الموت: وصارت قارة الفاشية قارة الصفح. اعادت كل دولة احياء مؤسساتها، وأعادت كل مؤسسة احياء مسؤوليتها وقوانينها. وعندما ذهبت الشعوب تختار رجالها، دققت اولاً في سيرتهم الذاتية، اشتراكيين وشيوعيين ويمينيين. كونراد اديناور وشارل ديغول وموريس توريز وفيلي برانت وونستون تشرشل. وحتى ايطاليا، التي تجدد منذ عشرين عاماً لمغني السفن برلوسكوني تعقلت يومها وأحلّت السنيور امينتوري فاتفاني وأمثاله.
لم يتذرّع احد بذريعة الحرب وآثارها. حتى دولة فقيرة وممحية مثل بولونيا، استعادت رونق الحقبة الباروكية حجراً حجراً وقرميدة قرميدة. وليس زنقة زنقة. انهارت الاخلاق الاجتماعية في اوروبا بعد سقوط الملايين تحت الركام المتبادل. لكن الاخلاق الوطنية ظلت ممنوعة من السقوط. وشاع بعد الحرب قول سوقي، ان في امكانك ان تشتري الالمانية بجورب من النايلون، ولكن لم يخطر، حتى في الخاطر، لاحد ان يقول ان في امكانك ان تشتري المسؤول الالماني او البريطاني. فالمسؤول كان رجلاً منتخباً، والناخب كان رجلاً مسؤولاً، يدرك انه يريد حارساً، لا حرامياً ولا متهافتاً ولا منافقاً.
أمضينا العقود الماضية في جدل داخلي، عنفي، قمعي، استعلائي، الغائي وعقيم. وفي نزاعات عربية دموية ومتحاقدة ولا نتاج لها سوى رش السموم على دعوات الوحدة، وبين نزاع وآخر، كنا نشن حرباً على اسرائيل يتبين منها ان المشير يغط والجندي يُقتَل. وقد تركت حروب صدام حسين وحده اكثر من مليون ضحية توجّتها دعوة مفتوحة للاحتلال الاميركي. وفي احدى اكثر الصور العربية اذلالاً، انتهى معتقلاً في حفرة تحت اضواء كاميرا اميركية متمادية في القحة، ثم معلقاً في نهاية محاكمة صورية، كتلك المحاكمات التي كان يقيمها لرفاقه. وجبة وجبة، وفق تعابير القانون القائم يومها في ساحات بغداد.
"قرن من أجل لا شيء" كما سماه غسان تويني. سنوات العجف والبدد، وخيول داحس والغبراء. لم نمض العقود فقط في النزاعات الدموية، مصر والسودان، مصر واليمن، المغرب والجزائر، ليبيا والجميع، بل نقلنا القضية الفلسطينية من حرب على اسرائيل، الى حرب أهلية في الاردن، ثم حرب جماعية في لبنان، انتهت بوصول شارون الى بعبدا وخروج "الثورة" الى تونس، ومن ثم وصولها الى منزل صغير سري في اوسلو.
تدفع الامة اليوم ثمن قرون من غياب البديهيات التي نظمت حياة الامم واقامت نهوضها: القانون والحريات وضمان كفاية المواطن. كان حسني مبارك ينوي ان يماثل سابقيه: لا يخرج من الرئاسة الا الى الضريح. ذهبت، ماشياً، الى "منصة 6 اكتوبر" في مدينة نصر، لأرى المكان الذي اغتيل فيه انور السادات وهو يحتفل بذكرى العبور. لم أرَ سوى مدرجات جرداء علاها شيء من سواد العتق والاهمال. تأملت البلاد من جديد، وقلت في نفسي: اللعنة على البلاط وعلى الغبار، ذلك الغبار المذرّ في العمر وفي الريح، ويتكرر على ايقاع حزين في ديوان روبير غانم "ميتافيزيق". وماذا يأخذ الحاكم الى ضريحه سوى سمعة التاريخ وألق المناقب؟ بماذا يُذكر إلا بما تواضع الى شعبه وكبرت به دولته؟
في أي مكان سوف يذكر غداً زين العابدين بن علي وحسني مبارك وعلي صالح. دعك من الأخ القائد فلن يتبقى للتاريخ وقت للتفكه.
هل كان صعباً الى هذا الحد ان نطبق تلك التجارب السهلة والمبسّطة المعروفة تحت اسم واحد هو الديموقراطية: الناس تذهب مرتين لاختيار رئيس الدولة، ثم تودعه. وهي المسؤولة لا هو. الاميركيون اختاروا اساءة بالغة الى انفسهم والى العالم، تدعى جورج بوش. على الاقل يستطيع العرب الادعاء أنهم لا ينتخبون حكامهم حتى لو ظلّت صناديق الاقتراع مفتوحة اسبوعاً أو زمناً. ومنذ ان اخترع بعض السقماء من "وعّاظ السلاطين" كما يسميه الدكتور علي الوردي، بلادة الـ 99,999%، لم يعد للانتخابات والاستفتاءات اية اهمية في الضمير العربي. استسلم الجميع للقدر الرقمي ومشيئة الناخب الفظ.
هل رأيتم في صحف السبت (16 نيسان 2011) صورة المتظاهر الاردني العجوز في الزرقاء (مدينة ابو مصعب الزرقاوي) شاهراً سيفه؟ لقد ظهر هذا النوع من السيوف في بيروت قبل سنوات في كرنفال مساخري، مضحك ومفزع. وبما ان الثورات السابقة لم تكن ثورة والدول لم تكن دولا، لا بد لمن اعتاد الخوف، من ان يفزع من البدائل. بل ربما كان هذا مطلوباً ايضاً.
يقول انسي الحاج، قبل ان يتأمل متظاهر الرزقاء وسيفه السيئ الصنع والشكل: “الرجاء ان تسفر الانتفاضات عن نتائج لا تحل فيها مقدسات ارهابية جديدة محل مقدسات ارهابية قديمة". مشكلة هذه الحركات انها تطرح التغيير ولا تطرح البديل. لا حيث سارع النظام السابق الى التنحي كما في تونس ومصر، ولا حيث يعرّض بلده للموت الجماعي وبوادر الحرب الاهلية، كما في جماهيرية صاحب النظرية العالمية الثالثة، او في تلكؤات علي صالح، القريبة من التهريج.
يقول علي الوردي في "مهزلة العقل البشري" انه "لمن الغريب ان وعّاظ السلاطين يذمون كل فتنة تقوم في وجه السلطان، فإذا نجحت تلك الفتنة واستتب لها الامر، اخذ الواعظون يطلبون من الناس اطاعة النظام الجديد وينسون بذلك اطاعة ولي امرهم السابق الذي ذهب مع الريح" في نصف القرن الماضي، لا ثورة ولا دولة، بل فتنة اثر فتنة وسلطان بعد سلطان. ولا ندري الآن الى اين. فليست في الامة سابقة يعوّل عليها ويُعمل في سبيلها. وعندما يُحشر المعزول يعود الى قبيلته بعد اربعين عاماً من رفع العلم الجمهوري وشعار الوحدة. وماذا يطلب الناس في الشوارع؟ حرية واحزاب وصحف واداب تكتب الشعر لغير صدام حسين والرواية من غير توقيع معمر القذافي. لوحة سوريالية غير مرئية على مدخل نهر الكلب: كنا البلد الاكثر حرية وصحفاً واحزاباً ومقاهي وشرفات. ولما رأت الامة في كل هذه الاضواء عذاباً وخطراً، تنادت الى تدمير لبنان فوق رأس الحرية. وحمّلته، كل المسؤوليات. واتهمته بالعمل على تقويض الكابوس.