إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

أعلى كلفة لمعالجة النفايات توازي كلفة الاستثمار في المياه العذبة والمبتذلة معاً! - حبيب معلوف (السفير)

بلغت كلفة التدهور البيئي في لبنان ما يقارب 3،5 % من الناتج القومي الإجمالي وهي نسبة مرتفعة والأعلى بين بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا. هذه اهم خلاصة لمجموعة التقارير التي سيطلقها غداً وزير البيئة في حكومة تصريف الاعمال محمد رحال في السرايا الحكومية. كما سيطلق كتيّباً عن أهم انجازات وزارة البيئة بين تشرين الثاني /كانون الأول 2009 حتى أيار/حزيران 2011 و"التقرير المحدّث لواقع البيئة في لبنان" بالشراكة مع برنامج الامم المتحدة الإنمائي، ودراسة البنك الدولي حول "التحليل البيئي للبنان" والتي ركّزت على أربعة محاور: حجم الانفاق في قطاع البيئة عامة، قطاع النفايات الصلبة، قطاع النفايات السائلة، والإطار المؤسساتي البيئي. تضمن التقرير المحدّث لواقع البيئة في لبنان أو تقرير واقع البيئة في لبنان واتجاهاته (350 صفحة مع الجداول والصور) أربعة محاور رئيسية مقسّمة إلى 10 فصول: المحور الأول، يتضمن مقدمة حول التقرير وفصلاً يتعلق بـ"الحوكمة البيئية". أما المحور الثاني فهو حول واقع البيئة، أي الموارد المائية (الفصل الثالث)، نوعية الهواء (الفصل الرابع)، التنوع البيولوجي والغابات (الفصل الخامس)، موارد الأرض (الفصل السادس). المحور الثالث هو تحت عنوان الاولويات البيئية وهي بحسب التقرير: الامتداد العمراني العشوائي (وقد ضم لاول مرة دراسة عن موضوع تملك الاجانب، حسب احد واضعي التقرير)، النفايات الصلبة (المنزلية والخاصة وتلك الخطرة)، الطاقة (من استيراد النفط الى استهلاكه). أما المحور الرابع والأخير فيتضمّن فصلاً واحداً تحت عنوان "المستقبل اليوم". ساهم في اعداد هذا التقرير ما يزيد عن 75 خبيراً من عدد من الهيئات والإدارات الرسمية، فيما ساهم حوالى 35 خبيراً (من فريق عمل وزارة البيئة، وبرنامج الامم المتحدة الإنمائي، وخبراء آخرين) في مراجعته. وكالعادة، لا تطرح التقارير الى النقاش العام الوطني قبل نشرها، لاستكمال النواقص وأخذ الملاحظات والآراء والتوجيهات، ولا يتم الاستعانة بالافكار الاستراتيجية لتوجيه الابحاث، مع العلم ان مجموعة من الخبراء في قطاعات محددة لا يشكلون استراتيجية في البيئة. لا يقدم التقرير المحدث عن وضع البيئة في لبنان الكثير من المعلومات الجديدة او غير المعلومة، كونه يجمع ما درس، وهو لم يدرس حقولاً جديدة. اما الجديد فتلك الدراسة المقارنة التي قام بها البنك الدولي بين قضايا النفايات والمياه العذبة وتلك المبتذلة. والذي بين ان حجم الصرف والنفقات على ادارة النفايات في لبنان خلال العشر سنوات الاخيرة كبير جدا، وأكبر من ذلك المتعلق بادارة المياه. كما يبين ضعف الاطار المؤسساتي وتزايد الكلفة المؤجلة مرارا لمعالجة ابرز قضيتين كالنفايات الصلبة والسائلة والتي باتت فوق قدرة الدولة على معالجتها، وفوق قدرة المجالس المحلية بالطبع. الا ان هذا التقرير يشكو ايضا من قلة النقاش، فلا البحث في الاستراتيجية الذي بدأ مع دراسة البنك الدولي عام 1997 استكمل، ولا تم تحديثه ومناقشته منذ ذلك الحين. وبالرغم من نقد الجميع للكلفة العالية لمعالجة النفايات في لبنان، ولا سيما في بيروت وجبل لبنان، لم يتم مراجعة الخطط التي عرضها البنك الدولي والقرض الذي قدمه عام 1995 لإنشاء اكثر من 15 مطمراً للنفايات ولم يمر. فمتى الدعوة الى مؤتمرات وطنية لنقاش الاستراتيجيات والدراسات ومشاريع القوانين والمراسيم والخطط والأولويات والمعايير... مع الأطراف كافة، وخصوصا تلك المعارضة للسياسات القائمة، قبل إقرارها رسميا، لضمان حسن تنفيذها؟ ومتى تعود الدولة وتشكل حكومة منسجمة وقادرة وفاعلة... لكي تستطيع ان تبدأ في معالجة مشاكل بيئية وإنمائية باتت متفاقمة لحدود اللاعودة؟ حبيب معلوف تقرير البنك الدولي يهدف التقرير المسمى دراسة البنك الدولي حول "التحليل البيئي للبنان" الذي يعلنه وزير البيئة في السرايا الحكومية غداً، الى تقييم سياسة لبنان والمؤسسات وبحث الانجازات والمعوقات بالاضافة الى تقييم مدى صلاحية السياسات في التأمين السليم للسياسات البيئية على مستوى الاقتصاد ككل وعلى المستوى القطاعي. وينطلق التقرير من الحديث عن وجود اجماع على حماية البيئة وعلى مدى تأثيرها على النمو الاقتصادي. ولكن عندما يصبح الامر عند قضايا الاستملاكات او ادارة الاملاك العامة والموارد الطبيعية من املاك بحرية وبرية وشاطئ وماء وأراض... فإن المجموعات المنتفعة والمسيطرة، تمنع او تؤخر الاستخدام العادل لهذه الاملاك والموارد العامة. كما ان عملية صنع القرار مقتصرة على مجلس الوزراء حيث توجد ميكانيكية وآلية معينة ولا توجد سياسات تنسيقية لبلورة الاجراءات العملية. وان المسؤولين، عند اتخاذ القرارات، يعودون الى آراء الموظفين في الادارات او الى مستشارين، الذين غالبا ما تكون مقترحاتهم وآرائهم مشكلة حسب انتماءاتهم السياسية. ويرى التقرير ان الاعتبارات البيئية تكتسي اهمية اقل من الاعتبارات والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كما ان القطاع الخاص هو الذي يناط به تقديم الخدمات البيئية، حيث ان اعداد التصاميم وادارة المشاريع الوطنية الممولة من ميزانية الدولة والمجالس البلدية التمثيلية عبر مجلس الانماء والاعمار يتم تلزيمها الى القطاع الخاص. المؤسسات على الصعيد المؤسساتي، يشير التقرير الى الفقرات البيئية التي يتم تضمينها عادة في كل بيان وزاري لحكومة جديدة، وزيادة عدد الموظفين في الوزارة الذي اصبح 54 موظفاً بالاضافة الى 23 متعاقداً. كما يشير التقرير الى الكثير من المتخصصين والمهتمين (مواهب) في مجال البيئة خارج الوزارة ولا سيما في مراكز الابحاث والجامعات والمؤسسات الاستشارية، بالاضافة الى وجود 450 جمعية بيئية وحزبين للبيئة بالاضافة الى الاعلام المتخصص. الإطار القانوني اما حول الاطار القانوني فقد صدر القانون 444 عام 2002 لحماية البيئة وقانون 690 عام 2005 ومشاريع مراسيم حول تقييم الاثر البيئي وتقييم الاستراتيجية البيئية، بالاضافة الى دعم النظام القضائي في تطبيق القوانين البيئية، ووضع كتاب عن "واقع البيئة في المحاكم اللبنانية". بالنسبة الى التحديات: يشير التقرير الى ان كلاً من وزراء البيئة الـ11 الذين تعاقبوا على الوزارة، كانت لهم اولوياتهم وأجنداتهم الخاصة، والتي كانت تنعكس في البيانات الوزارية لحكوماتهم وتنال ثقة البرلمان. الا ان القليل من هذه السياسات المعلنة تم ترجمته فعلا. ويستثني التقرير البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية الاخيرة (المستقيلة) الذي اعتبر البيئة بين الاولويات الثماني، واقتراح الوزير المستقيل محمد رحال برنامج عمل لمدة ثلاث سنوات يتضمن معالجة 10 قضايا و50 بند عمل. ويشير التقرير الى ضعف التنسيق والتكامل في السياسات القطاعية وضعف فعالية اللجان والمجالس العليا ولاسيما لناحية اعطاء التراخيص والتنظيم المدني والمقالع... الخاضعة جميعها لمبدأ التراضي والتسويات والتدخل السياسي. الانفاق والموازنات الضعيفة كما يشير التقرير الى ضعف ميزانية وزارة البيئة وقلة عدد الموظفين فيها، اذ تعتبرها مخصصاتها الاقل بين الوزارات كافة (مليوني دولار اميركي) معظمها لإيجارات المكاتب مع رواتب الموظفين مع موارد ضئيلة للبرامج والمشاريع. وتفوق المنح التي تتلقاها وزارة البيئة الموازنة الرسمية. ففي العام 2008 بلغت قيمة المنح الخارجية 2،4 مليون دولار اميركي، اي ما يعادل 121% من الميزانية الحالية للوزارة التي تساوي 2 مليون. كما يشير التقرير الى ضعف نظام تطبيق القوانين والمراقبة بالاضافة الى خرق قوانين البيئة وضعف العقوبات التي لا تتعدى سنة سجن وغرامات تتراوح بين مليون وعشرة ملايين ليرة لبنانية. بالاضافة الى ضعف الاجراءات الردعية والمؤسسات والاجهزة والمعدات الرقابية. يرى التقرير ان هناك نقص في الربط بين قضايا البيئة وقضايا الفقر وفي توزيع المخصصات والموارد على المناطق اللبنانية كما هناك عدم ربط بين التنمية والأولويات البيئية. ويقدر المخصصات للمشاريع البيئية بما لا يزيد عن 1،2 % من الحجم الكلي للمشاريع الانمائية. فقد صرف 16 مليون دولار فقط في السنوات العشر الأخيرة لتنفيذ التزامات لبنان الدولية حول البيئة، ولم تنفذ مشاريع لتقليل التلوث في الماء والهواء ولا رصد موازنات لهذه الغاية. اللافت في التقرير هو الاشارة الى ان كلفة ادارة النفايات الصلبة خلال العشر سنوات الأخيرة قد فاقت أي انفاق على إدارة المياه العذبة والمياه المبتذلة (النفايات السائلة). فقد انفق على الاستثمار في المياه العذبة سنويا 126 مليون دولار اميركي و34 مليونا على الصرف الصحي و40 مليونا على النفايات. وعلى التشغيل انفق 78 مليون دولار سنويا على المياه العذبة و6 ملايين على الصرف الصحي و 126 مليون دولار أميركي على النفايات الصلبة. الأثر البيئي للمشاريع بالرغم من ان مرسوم الأثر البيئي للمشاريع لم يصدر بعد، فقد أحصت دراسة البنك الدولي 136 تقريراً ودراسة أولية للأثر البيئي لبعض المشاريع ما بين 2001 و2008 موزعة بين 54 دراسة حول النفايات الصلبة و34 للنفايات السائلة و16% للتنمية السياحية. وهي، حسب رأينا، أرقام محدودة جدا في بلد مثل لبنان لا تعمل فيه غير المشاريع! ويعود معظم هذا الرقم، حسب رأينا ايضا، للمشاريع الصغيرة التي تنفذها وكالة التنمية الأميركية والاتحاد الأوروبي مع البلديات لإنشاء معامل صغيرة لمعالجة النفايات الصلبة والصرف الصحي والتي تعثر معظمها بنسبة 80%! ادارة النفايات الصلبة يتحدث التقرير عن خطة عام 2006 لإدارة النفايات الصلبة التي اقرها مجلس الوزراء والتي تقوم على الطمر ومراكز للفرز والتخمير والتي كان يفترض ان تبلغ كلفتها 400 مليون دولار اميركي. ويعتبر ان الكلفة الأكبر لإدارة النفايات هي التي تصرف على بيروت وجبل لبنان والتي تبلغ 95 دولاراً اميركياً للطن للمعالجة والطمر و49 دولاراً للطن للكنس والجمع (اكثر من 140 دولاراً للطن) وهي الأعلى أيضا في بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا. ويعلق التقرير على الخطة الجديدة التي اقرها مجلس الوزراء عام 2010 التي تقوم على إنشاء معامل للتفكيك الحراري وإنتاج الطاقة الكهربائية في المدن الرئيسية. ويعتبرها مكلفة اكثر من الطمر والخطة المطبقة حاليا. وعرض التقرير لـ11 خياراً لمعالجة النفايات والكلفة. بين هذه الخيارات الواردة في خطة عام 2006 والقائمة على الفرز والتخمير والطمر، وبين خطة مجلس الوزراء الأخيرة القائمة على التفكيك الحراري للنفايات. ولعل ابرز الخيارات التي اقترحها إنشاء معمل حراري لنفايات بيروت وجبل لبنان بسعة 900 الف طن . مقدرا كلفة إنشاء معمل لبيروت وجبل لبنان بما يقارب 885 مليون دولار. وثلاثة معامل في الجنوب والبقاع والشمال بقدرة 300 الف طن لكل معمل. وتبلغ كلفة هذا الخيار الإجمالية مع باقي المناطق 1881 مليون دولار أميركي للإنشاء و102 مليون دولار للتشغيل. اما كلفة الاسترداد من بيع الكهرباء فتبلغ 197 مليون دولار سنويا. ويشير الى عدم وجود قانون واطار مؤسساتي ولا مصادر تمويل لتغطية نفقات الخطط لإدارة النفايات الصلبة بشكل عام في لبنان. كما يشير الى الاستثناء في معالجة نفايات زحله التي تكلف 41 دولاراً للطن. ادارة النفايات السائلة يتحدث التقرير عن ضرورة إيجاد إطار مؤسساتي لإدارة النفايات السائلة والمياه المبتذلة. وعن ضرورة إيجاد إطار لتحديد المسؤوليات وكيفية إشراك القطاع الخاص، على ان يبقى دور القطاع العام المعني بوضع الأطر والسياسات. وتقدر الدراسة الكلفة المتبقية لإنجاز مشاريع معالجة الصرف الصحي بما يقارب 436 مليون دولار من دون احتساب ما تم انجازه حتى اليوم. مع الإشارة الى 6% فقط من المياه المبتذلة في لبنان تعالج حالياً. ويأخذ التقرير على الخطة الحالية لوزارة الطاقة التي تعتمد فقط على المعالجة الأولية او الثانوية للمياه المبتذلة لترمى في البحر من دون الاستفادة منها، مقترحا ان يعاد النظر بهذه الخطة والتفكير بالمعالجة للدرجة الثالثة والتي يمكن ان تطبق في الكثير من الأماكن من اجل إعادة استعمال المياه المبتذلة في الصناعة على سبيل المثال وفي الأماكن التي تعاني من نقص في المياه. معتبرا ان الكلفة وإن كانت اكبر من معالجة الثانوية ولكنها تبقى اقل من عمليات تحلية المياه في غير بلدان. كما توقع التقرير بأن يكون هناك صعوبة لاسترداد كلفة معالجة المياه المبتذلة واستيفاء الرسوم من المواطنين، ولا سيما في المناطق التي لا تصلها المياه العذبة أصلا. فكيف يمكن ان تقنع الادارات المعنية المواطن الذي يدفع اشتراك مياه ولا تصله ان يدفع بدل معالجة مياه الصرف الصحي؟ كما نبه التقرير الى كيفية تشغيل المحطات وضرورة معالجة النفايات السائلة للمصانع والمستشفيات قبل إرسالها الى شبكات الصرف الصحي لمعالجتها في هذه المحطات.

← العودة إلى مختارات