لا استقرار سياسياً وأمنياً ولا ازدهار اقتصادياً - اميل خوري (النهار)
متى يقتنع الزعماء على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم بأن لا استقرار سياسيا وامنيا ولا ازدهار في لبنان اذا ظل ساحة مفتوحة لصراعات المحاور، واستمرت فئة لبنانية تناصر هذا المحور وفئة تناهضه، خصوصا بعدما دفع الشعب اللبناني ثمنا غاليا نتيجة هذه الصراعات التي تنتهي على حساب مصالحة وخدمة لمصالح الآخرين.
وللتذكير تأكيدا لذلك، انقسم اللبنانيون عام 1943 بين من هم مع فرنسا ومن هم مع بريطانيا، ثم انقسموا بين من هم مع "حلف بغداد" ومن هم مع "التيار الناصري" فكانت حوادث 1958، ثم انقسموا بين من هم مع السلاح الفلسطيني في لبنان بذريعة "تحرير فلسطين" من جنوب لبنان... ومن هم ضد هذا السلاح فكانت الحروب الداخلية وحروب الآخرين على ارضه التي استمرت 15 سنة ولم تنته الا بدخول الجيش السوري لوقف هذه الحروب فدفع لبنان من جراء ذلك وصاية سورية عليه دامت ثلاثين عاما.
وها هم اليوم ينقسمون بين من هم مع المحور الايراني – السوري ومن هم ضده. ولبنان هو الساحة المفتوحة للصراع، وقد يكون تشكيل حكومة اللون الواحد، اي من قوى 8 آذار المتحالفة مع سوريا، بداية ادخال لبنان في هذا الصراع وجعله ورقة تفاوض في يد سوريا وايران لتسوية خلافاتهم ومشاكلهم مع دول الغرب وان على حساب مصالح لبنان. فاذا استمر الضغط على سوريا من اجل تغيير النظام فيها او اصلاحه باعتماد النظام الديموقراطي وتعددية الاحزاب، فان سوريا تضغط على الداخل اللبناني لاثارة الخلافات وإحداث صدامات بين اللبنانيين تهدد لبنان كيانا وهوية ووحدة. واذا توقف هذا الضغط بالتوصل الى تسوية، فانها قد تتم على حساب سيادة لبنان واستقلاله وقراره الحر بحيث يعود الى الوضع الذي كان فيه قبل آذار 2005، ولا شيء، يغير هذا الواقع سوى توصل الزعماء المسيحيين الى موقف واحد من صراعات المحاور على ارضه، وذلك بتحييده عنها، كي يبقى لبنان مع القضايا العربية عندما يكون اتفاق عليها، ويكون على الحياد منها عندما يختلفون حولها. اذ لا يعقل ان تكون فئة في لبنان مع هذا المحور العربي او الاقليمي او الدولي ولا تكون فئة مع محور آخر، اعتقادا منها ان انتصار محور على محور هو انتصار فئة لبنانية على فئة.
لقد التقى مسيحيون ومسلمون في قوى 14 آذار على موقف رافض للمحور الايراني – السوري، فيما التقى مسيحيون ومسلمون في قوى 8 آذار على تأييد هذا المحور، وهو ما يكرر الانقسامات بين اللبنانيين التي عاشوها منذ عام 1943 فكانت نتائجها وبالا عليهم جميعا. فهل في الامكان ان تتفق قوى 8 و14 آذار على تحييد لبنان عن صراعات المحاور لانها تنتهي بخراب لبنان وافقار اللبنانيين؟
واذا كان من المتعذر على قوى 8 و14 آذار التوصل الى اتفاق حيال صراع المحاور على ارض لبنان، فهل في امكان مسيحيي 8 و14 آذار الاتفاق على ذلك؟
الواقع ان مسيحيي 14 آذار متفقون على وجوب اخراج لبنان من لعبة المحاور العربية والدولية كي يسوده الاستقرار السياسي والامني ويعمه الازدهار الاقتصادي، وان يكون مع العرب وهم متفقون، وعلى الحياد بينهم وهم مختلفون، كي لا تنتقل عدوى الخلافات بين العرب الى الساحة اللبنانية وينقسم اللبنانيون بين هذا الطرف العربي وذاك، وهو ما نشهده اليوم.
لقد اعلن رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع في تصريح "ان سياسة المحاور التي وجد لبنان نفسه غارقا في دوامتها، كانت احد اهم اسباب ازماتنا الداخلية والخارجية المتكررة. فقد دفع لبنان منذ الاستقلال، وما زال، ثمن سياسة المحاور الاقليمية، فهل لفريق من اللبنانيين ان يجر البلاد الى سياسات منحازة تضرب المفاهيم الجوهرية التي قام لبنان على اساسها، بالاضافة الى انها تخل بالتوازنات الداخلية الدقيقة وتكرس غلبة فريق على آخر وتضرب مفهوم الديموقراطية التشاركية؟".
وكان الرئيس امين الجميل وسواه من الزعماء المسيحيين قد أعلنوا الموقف نفسه، اي موقف حياد لبنان وتحييده عن صراعات المحاور. فهل في امكان بكركي التي تحاول جمع الزعماء الموارنة على موقف واحد من القضايا التي تهم المسيحيين خصوصا، واللبنانيين عموما، ان تجمعهم حول موقف واحد من موضوع صراع المحاور، وهو الخروج نهائيا من هذا الصراع الذي قال فيه البطريرك الراعي "ان لبنان في حاجة الى ان ينهض من تجربة الانجرار في المحاور". فاذا تم التوصل بين الزعماء المسيحيين الى موقف واحد يلتقي عليه مسيحيو 8 آذار مع مسيحيي 14 آذار فان هذا الموقف يكون بداية خلاص لبنان وخروجه من انقساماته التاريخية على مدى عقود والتي لم يحصد منها اللبنانيون سوى الاذى والخراب والدمار، وان تحقيق وحدة المسيحيين تحقق وحدة المسلمين.
لقد آن للمسيحيين ان يلتقوا على تصور مشترك لصيغة لبنان المستقبل ولما يؤمن لهم الاستقرار الدائم والثابت في ارضهم، وان يكونوا معنيين بالمواقف اكثر من المواقع كي يكون لهم دور لا يستطيع احد ان يأخذه منهم وهم متفقون، اذ لا دور لهم في اي نظام وهم مختلفون.