إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

الشعب يريد بلوغ الواحات - سمير عطالله (النهار)

بدا علي عبد الله صالح على التلفزيون مساء الخميس الماضي، وكأنه خارج من جحيم دانتي. حروق مثل حروق جهنم حوّلت وجهه، البهلواني بالامس، قناعاً جلدياً مفحّماً. لكن الرجل الغارق في لفائف لعازر، بعد جريمة المحراب، ظل يتحدث وكأن المُلك شيء غير قابل للزوال. استعار القوة من بلسم السلطة، كي يحدث اليمنيين مرة اخرى عن الديموقراطية والدستور، ولكليهما تفسير واحد عند العرب، البقاء، ولو لم يبق في الجسم الا الحنجرة.
في القرن الثامن عشر ارسل فريدريك، ملك الدانمارك، بعثة كارستن نيبور الى اليمن كي تبحث له عن شجرة البلسم في جبالها. عثر الرجال الستة على القهوة والقات وعلى خناجر تعلّق عند الخصر وتطعن عند الصدر. ثمة عداء قديم مقيم، بين الديموقراطية والعرب. حساسية مفرطة ضد ثقافة التناوب، واحتقار معوي لثقافة الحوار، التي أشار اليها البيان الوزاري بحياء بنات الاربعتش. طبعاً أيام زمان، يوم الحمرة في الوجه، لا في المسحوق.
ثمة لون واحد وقان على خريطة الامة. لون الدم الذي سمته العرب النعمان، وسمت أجمل زهور الربيع شقائق النعمان. هذا هو لون الربيع العربي، من تونس الى صنعاء، التي قال الامام الشافعي إنه لا بد منها ولو طال السفر. ولا أحد يعرف متى وكيف يعود صاحب صنعاء الذي تباهى بازالة الامامة وقيام الجمهورية. والفارق واضح، وهو ان الجمهورية أطول عمراً وأكثر عائلية. ألقوا نظرة سريعة جداً على شجرة الحكم.
يعبر الربيع العربي الخنادق والمتاهات والميادين، متعثراً ومعفراً. مقطّع الايدي في تونس، مقطوع الاذرع في مصر، ملتفّ بالضمادات في اليمن، مريض في ليبيا، ومبعثر في سوريا. المشكلة ان الذي زرع لا دور له في القطاف. وفي تونس ومصر قد ينتهي الامر الى "الاخوان" الذين يرون في الديموقراطية بدعة صهيونية. تماماً كما يرى المفكرون الايرانيون ان العروبة اختراع اميركي، لأنها ظهرت في الجامعة. من هم اولئك الاميركيون؟ تفضلوا عدّوا: جورج حبش. احمد الخطيب. وديع حداد. علي فخرو. الى آخره.
لم يكن أي من الانظمة يمثل القانون. ولا شبها له. لكن الثائرين او المحتجين أو طالبي التغيير، لم يعرضوا حتى الآن أي احترام للقانون. الملايين في مصر ينزلون الى الساحات، مصرّين على ان يأخذوا القانون بأيديهم. وقد يستمرون في الاحتكاك وتعطيل البلد وتمكين الفالتين من الاعتداء على السلامة والأمن، الى ان يعطوا الجيش الذريعة التي اتخذها من حريق القاهرة الشهير اوائل الخمسينات. وفي تونس ليس هناك فريقان متصارعان، كما في اليمن او ليبيا. ولكن كما في مصر وسائر العالم العربي، بما فيه الصومال وجزر القمر، ليس هناك ثقافة ديموقراطية او تقليد قانوني او اعراق يبنى عليها. محزن ان يتصرف طالبو الحرية، في بعض الحالات، مثل ذوي السطوة. وكم هو مثير للاشمئزاز والخيبة ان ترى ثوار ليبيا يمارسون في حق اسراهم، الوحشية التي تمارسها كتائب خميس وكتائب الصالحي وكتائب هنيبعل، وسائر ابناء الاخ قائد ثورة الفاتح العظيم.
نصف قرن من انعدام الحياة السياسية لم يترك في العالم العربي أي أثر لأي معرفة بالاصول الديموقراطية. تعودنا ان يكون ذكر الحرية مرعباً. وتلاحمنا فقط مع توأم الصمت والسكوت. وخرجنا الى الشوارع نصفق لمنصات الاعدام وغياهب السجون. ولذلك فإن ثمة مفاجأة على مستوى الكون بأجمعه الآن: ماذا حدث للعرب؟ من الذي لفت انتباههم الى ان الحرية حق، والرغيف حق، والنافذة على الحياة حق؟ ومن الذي تسلل الى آذانهم ليهمس فيها ان الله لا يقبل كل هذا الموت قبل مواعيده. من الشرير الذي يصر على اشعال الضوء، وابلاغ جماهير الظلام، ان الحياة حق والموت واجب، وليس العكس. لان العكس ضلال ونقض لشريعة الخلق.
لا أعرف اي نوع من الحزن ملأني وأنا أشاهد علي صالح. كانت تلك المرة الوحيدة التي أتعاطف فيها مع الرجل. ولكن ماذا يغيّر هذا النوع من الضعف الفردي أمام مصائر الشعوب وحقوقها في بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة؟ لقد جاء هذا الرجل باسم الجمهورية لإلغاء الإمامة والقرون الوسطى، ففي أي قرن وضع اليمن؟
محزنة ومؤسفة خريطة الأمة. عمر حسن أحمد البشير لا يزال يخطب فيما جنوب السودان صار جمهورية أخرى فرحت الفرح العظيم بالخروج عنه. ماذا يقول عمر البشير؟ ماذا لو سأله سوداني من الخرطوم، ماذا فعلت خلال 23 عاماً، كي تحول دون انفصال الجنوب؟ ماذا أيضاً فعلت من أجل الشمال؟ كيف أمكنك ان تحمي أسامة بن لادن وكارلوس ثم أن تتخلى عنهما؟ علامَ قام حلفك مع حسن الترابي ولماذا أرسلته الى السجن مرة بعد مرة، مثله مثل الصادق المهدي؟
أمة الهباء والبرد. يفعل الحاكم ما يشاء ثم يطلب من الجموع ان تصفق: مرة في الحلف مع الترابي، ومرة في إرساله الى السجن، مرة بعد مرة. لا تعرف أين يتوقف تفكك السودان أو الصومال أو العراق. كل ما نعرفه، يا للعار، ان العراق كان أكثر تماسكاً أيام الخاتون غيرترود بل، وان السودان كان أكثر رحابة عندما كان فاروق، صاحب مصر ملك كردفان أيضاً. نحن الأمة الوحيدة على هذا الكوكب التي كانت افضل 50 مرة قبل 50 عاماً، كانت في الوحدة والديموقراطية والقانون، فصار الانفصال هو الحل، بعدما امتلأت السهول والجبال والشوارع بالجثث والسجون والفشل والتعذيب والكلمات المحشوة زؤاناً وقشاً والقليل من التبن.
من العقيد حسني الزعيم الى العقيد معمر القذافي، بدل ان يخرج العسكر الى الحرب خرجوا الى السلطة. بدل ان يبدعوا في المدارس الحربية طفقوا يعلموننا الفلسفة. بدل ان يحرسوا الحدود ضيّعوا قلب العواصم. جاؤوا باسم الفقراء والعمال والفلاحين وتحولوا اغنى طبقات المجتمع. خطبوا خطب لينين وسكنوا قصور لويس الرابع عشر. دمروا البورجوازية المنتجة والمشغّلة والمطوّرة، وأقاموا اريستوقراطية فجة متعالية مقنّعة باليسار ومحشوّة باليمين. أو بسقط الاثنين معاً. ادّعوا محاربة الامبريالية ووقفوا حجّاباً عند الاميركيين، يقبلون منهم أي شيء، ومثل الفاجرة التي ليس لها سوى دفاع واحد هو الشتم والردح، تمضي العمر تفجّر في الداخل وتردح على الشرفة وعلى الشبابيك ومن نافذة الحمام.
أفكر في أهل اليسار الطيب والآدمي والنقي والبديع. النساك الذين ماتوا فقراء يتوسدون اقلامهم. عندما سألت عن الياس مسوح قبل أيام لم أكن أنتظر الجواب بأنه غاب. كنت أعتقد ان هذا النوع من البشر، مثل بخور الكاتدرائيات، يحترق ولكن لا يفنى. كنت أعتقد أن صاحب "حنان يا أصدقائي" سوف يستبقي نفسه بيننا كي يدافع عن الصداقة والحب والأخلاق والأرض والحرية والضعفاء والفقراء والبسطاء. فإذا الانقياء أيضاً يغيبون، متدثرين بحرام الوداعة وألق التواضع. كان رأس قافلة المناقب، الياس مسوح، علامته شعر أحمر مثل الريف السوري الذي جاء منه، وبسمة عالية مثل الصفح، وقلم مثل تربة نيسان. مثل نيسان.
عندما كنا يافعين، كنا نحلم بأن الذين مثل الياس مسوح سوف يصنعون ربيع العرب ذات يوم. شيء من الشعر ووفرة من النقاء وطيبة القرى وتلك الاخلاق التي دعا اليها انطون سعادة. عاد الياس مسوح الى قريته منكسراً وحزيناً. وكنت أعده دائماً بأنني سوف أزوره. لم يكن يخطر لي أن ذلك الصامد الأخلاقي العجيب يمكن ان يتعب، أو ان يتخلى عن دوره، ناطوراً على ضمائر أهل الأمة.
ليس من عادته، الياس مسوح، أن يخلّ بصداقة. لا بد أنه مرغماً غاب، حاملاً ابتسامة الرجاء والصفح معه، ومحبرته ودفتره، وبؤس هذه البلدان التي طالما غنّى لقيامها. ولا قيامة. ربيع قرمزي وموت كثير. وكتّاب الفواجر مثل المسيح الكذاب، واليمين واليسار في مقبرة جماعية واحدة. وعلي صالح يطل مثل فحمة باكية كطفل أخذت منه اللعبة التي اعتاد أن تنام الى جانبه. من هو المسكين حقاً، الشعب العربي أم الحاكم العربي، المتظاهرون الذين يطلبون الحرية أم الحاكم الذي يخاف أن تدمر امبراطوريته؟ المتظاهرون الذين يطلبون كل شيء في يوم واحد، أم الحكام الذين لم يعطوا شيئاً خلال يوم أزلي طويل، بليد، رتيب، لا وعد فيه ولا أمل؟
لم يقرأ علي صالح مؤلفات فريا ستارك، التي دوّنت مشاهد اليمن حجراً حجراً. قالت في كتابها الجميل "البوابات الجنوبية للجزيرة العربية" إن البدوي يمل الرتابة الطاغية في الصحراء. كثيب خلف هضبة خلف قحط خلف فراغ خلف فضاء خلف سراب خلف قيظ. لذلك لا يحلم إلا بالتغيير. فما ان يرى واحة فيها شجر وخضرة ومياه وحياة، حتى يسجد ويشكر. الشعب يريد الواحات. ملّ الفقر والذل والفراغ وطغيان التخلّف السائد مثل الرمل.

← العودة إلى مختارات