المحيط العربي يسبقنا - غسان حجار (النهار)
قرأت في وكالة الصحافة الفرنسية الخبر الآتي:
"تجمّع العشرات أمام مبنى وزارة العدل في القاهرة للمطالبة بإقرار الزواج المدني في مصر التي لا تعترف إلا بالزواج الديني للمسلمين والمسيحيين على حد سواء. وطالب المتظاهرون من مسيحيين ومسلمين، البرلمان الذي سينتخب في أيلول المقبل، بإعتماد قانون يسمح بالزواج المدني". (انتهى الخبر)
قد تكون الحركة في بداياتها، وقد تطمس وتدهس في تلك المحطة، لكن لكل شيء بداية، والتحرك هو هذه البداية، التي ربما تتحول كرة ثلج تنعكس على تركيبة النظام الذي يعمل على إعطاء مجالات أوسع للفئات المكونة للمجتمع المصري، ويأمل العلمانيون ان يكونوا في عدادها.
وفي مقابل هذا التحرك المصري، والمطالبة السعودية بالسماح للنساء بقيادة السيارة، ومواجهة الإعلاميين الأردنيين للسلطة، يبدو لبنان متخلفاً عن الركب التغييري في كل المنطقة العربية، التي كان اللبنانيون ينظرون إليها كأنها من عالم عاشر لا ثالث، إذ تميزوا على الدوام بكونهم تقدميين وسباقين وتغييريين.
لكن الواضح أن الواقع تبدل ولم يعد لبنان (وشعبه) كذلك، اذ لا رؤية ورؤيا تتيحان له اللحاق بالمتغيرات والتبدلات. فالزواج المدني يحتضر منذ زمن بعيد، مذ تكاتفت القوى الطائفية لحماية نفسها من "سلطته"، فأجهضت المشروع الذي وافق عليه الوزراء والنواب، ليتأكد لنا أن سلطة الطوائف ما تزال أقوى من كل سلطة تشريعية وتنفيذية. رحم الله الرئيس الياس الهرواي.
أما حملة إسقاط النظام الطائفي فأمست حتى خارج الذاكرة. طويت الصفحة، وانحلّ التحرك ولم يبق منه سوى خيمتين تعيستين واحدة في ساحة رياض الصلح وأخرى في الصنائع، تبدوان للمارة كأنهما للاستعطاء. نعم، لاستعطاء الشفقة على الأحلام المنكسرة.
وماذا عن التغيير في السلطة؟ تكفي فتوى من هنا وتكليف شرعي من هناك لتوجيه الانتخابات في الاتجاه المعاكس. أما الخيانة العظمى فهي المال شاري الضمائر والأصوات، وأحياناً صمت السلطات معاً، مما يجعل الانتخابات شبه استنساخ لما قبلها، فينتقي الزعيم أعضاء لائحته ويقبض منهم وعنهم، وتتبدّل وجوه قليلة في مجلس ممدّد العطل والتعطيل.
وماذا عن الإعلام وحريته وقدرة غير الحزبي منه على الاستمرار؟ الجريمة بدأت بتوزيع القنوات التلفزيونية والإذاعية على الأحزاب، وإضعاف الإعلام المستقل. واستمرت الحكاية. إعلام متعثر، لا نقابات حقيقية حرّة لأهله، لا لحمايتهم من السلطة، بل لتنظيم عملهم وضمان بعض حقوقهم، في الاستشفاء والتقاعد أقله. وماذا عن الحرية؟ نماذج حضارية، كما في لاسا بالأمس، وفي شوارع وأحياء لا يجرؤ المراسلون على دخولها من دون إذن مسبق، أو يدخلون متماهين عن هويتهم الحقيقية.
ولنتحدث في السياحة؟ أين الفنادق الفخمة الموجودة في دبي وأبو ظبي والرياض والقاهرة؟ ليست هي نفسها في بيروت. نحن نعتمد على الطقس المتغير في غير مصلحتنا، وعلى "شطارة" لبنانية في العلاقات العامة صارت مكشوفة الألاعيب السخيفة.
وهل نفاخر بالمستوى التعليمي؟ لم يعد في الصدارة، فالجامعة الأميركية صارت موجودة في القاهرة ودبي والشارقة، والسوربون افتتحت فرعاً لها في الإمارات، وكبريات الجامعات اجتذبتها قطر إلى مدينتها الجامعية المغرية.
العالم من حولنا يتحرك. حتى في سوريا قامت ثورة، وفي اليمن، وليبيا، والسودان، وتونس، ومصر... وماذا بعد؟
يقول المسؤولون أن أمام لبنان الفرص الواسعة. صحيح هذا الكلام، لكنه يصبح أكثر صحّة بغير هذا الطاقم من المسؤولين الذين، في أغلبهم، مأجورون لمصالح الدول والأنظمة والنفط، وهم عبيد لطائفيتهم البغيضة ولمصالحهم الضيقة.
وللإنصاف يبذل مسؤولون في مواقع متقدمة جهوداً لإتمام أعمالهم على الوجه الأحسن، لكن الظروف المحيطة غالباً ما تقف لهم بالمرصاد، لأن التركيبة كلها غير سوية، ولأن القوى السياسية مازالت تغطي كل المخالفات، في البناء، في التعهدات، وفي السلاح غير الشرعي، وفي التهريب عبر المعابر والمرفأ والمطار، وتغطي سرقة التيار الكهربائي، والغش في الامتحانات، ومخالفات المرور، والكسارات، و... أكثر.
الدول، والشعوب، من حولنا تسبقنا، فإلى متى نبقى نتفرّج؟