إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

الصخر الذي نحت نفسه - سمير عطالله (النهار)

"أقول الحياة العزم حتى اذا انا
انتهيت تولى القبر عزمي من بعدي"
سعيد عقل


يُقضى الا يُكتب في الامر احد، بعدما كتب انسي الحاج في مئوية سعيد عقل، فاصلاً في مسألة المسألة عندما قال: "يجب التمييز بين الشاعر والشعر. تماما كما لو قلت بين فاغنر وحياته، او بين جان جاك روسو الذي اشعل الثورة الاجتماعية في العالم، ومارس سلوكا غير اخلاقي حيال ام اولاده الخمسة، التي رفض الزواج منها. يدفعني الى الكتابة على رغم ما حسمت عبقريات انسي وتجليات سنيه الادبية، ان المئوية مناسبة للاعتذار من جلال العمر. فقد تعرضت لسعيد عقل، شابا، عندما طلع بالحرف اللاتيني، فيما هو من ائمة الحرف العربي. وهزئت منه مرارا، بلا كياسة، ولكن عن حق، عندما دعا الى "اللغا اللبنانيي" (طبعا بالديالكت الزحلاوي) فيما هو صاحب "جمالك وافر وفمي قليل". واغضبنا جميعا عندما دعا في نشرته، خلال الحرب، الى ان يقتل كل لبناني فلسطينيا. لقد احرق كل الرمل، كل الحب الذي نحته على الصخر.
عدا ذلك، كان سعيد عقل فتى مصنوعا من ذهب وورد. وكان يجب ان تؤخذ مبالغاته في حب لبنان على ما هي، اي انها جزء من صناعته لذاته. فلم تأخذه امرأة، على رغم ما أُخذت به النساء، ولم يطوه في العاديات زواج، ولم يسلم نفسه الى هم او خوف او جزع، وبدا انه لم يحب في الارض سوى امه، التي قال إن منها اخذ وسامته وقامته، اما والده فلم تكن له ميزة سوى انه كان "يشقّع" بمهارة! (النهار العربي والدولي) وهكذا هام بلبنان وبنفسه، حارسا عليه، وحالما له، ومؤرخا مولها، يثير الضحك احيانا. فلم يبق شيء في الارض الا رد منابعه الى صيدا وصور. وكان يحوّل كل لبناني، عادي، او فائق، الى احتفال. وكل نسمة الى مجد. ولم يكن يتردّد، وهو عاشق العلوم والرياضيات، ان يتساءل في كتاباته الصحافية، متى نلحق بالروس الى "الزهرة" او بالاميركيين الى القمر. وما كان مازحا.
لم يدرك رفاق صباه ظاهرة الهاجس فيه، فقال صلاح لبكي انه يكتب بلا مشاعر. اما الارجح فإنه في قرارته كان يريد ان يكون إلهاً صغيراً مثل ألهة اليونان، يعيش بين البشر ولا يترك لهم رؤية الضعف البشري فيه. وفضحه او كشفه الاكبر "سمراء يا حلم الطفولة، لا تقربي مني وظلي، فكرة لغدي جميلة".
تعشق الجمال ولم يلامسه. شعره الحب، لا الهوى عند الاخطل الصغير، ولا السرير الحارق في شعر الياس ابو شبكة، رفيقه في الرمزية، الذي لم يعش طويلا ولم يعط كثيرا. الذين اعترضوا على تكريم سعيد عقل، طائفيا، في بكركي، فاتهم انها كانت تودع "القرن الماروني" الاخير على كرسي سعيد عقل المتحرك، وبقايا شعره المسرّح على فوضى الوسامة. يستحيل لذلك القرن ان يتكرر: ما بين اواخر القرن التاسع عشر واواسط القرن العشرين، كانت غزارة الانتاج الادبي الماروني اشبه بعصر الجاهلية او العباسيين. كان كبار تجارهم، مثل شارل قرم، يكتبون. وكان بطاركتهم يكتبون. ومطارنتهم. وكهنتهم يقرضون الشعر، ومنه المالح والمملح. الادب كان موئلا في القرى لا منهلا. هو الحماية وهو الجاه وهو الثروة. وعندما هجروا من البلدات الى العاصمة، سبقتهم مواقعهم في الشعر والنثر، فبدوا مثل صف قبلي طويل، يسيرون بعضهم خلف البعض، خوف برودة الغربة وجفاف المدينة.
كانوا موارنة ولكن غير "مارونيين". من تمرد جبران الى "أحمدية" فارس الشدياق الى مارون عبود الذي اختار "كأبي محمد" الانتساب الى قريش، فالى بولس سلامة الذي جعل ملاحمه "عيد الغدير" و"عيد الرياض"، الى رشيد سليم الخوري الذي تملص من اسم العائلة باعتماد لقب "الشاعر القروي". من الصعب حصر "قرن الموارنة"، الذي أُعلن فيه بشارة الخوري اميرا للشعراء (أيوم اصبحت لا شمسي ولا قمري) وأعلن فيه امين نخلة ان احمد شوقي سماه خلفا له: هذا ولي لعهدي وامير الشعر بعدي! وقال خبثاء ان القائل والمسمى، هو الامين نفسه، وما ادراك، فقد تكون الامارة جزءا من الطائفة.
لم يفعل الموارنة شيئا آخر: كتبوا ورسموا ونحتوا واصدروا الصحف واعتلوا المسارح، مهرجين وبكاة. غرقوا في العصر الرومانسي كما غرق الفرنسيون الذين تأثروا بهم. عندما الغت فرنسا قبل اعوام، كورناي وراسين، من برنامج البكالوريا، كان الغاضب الهدار الوحيد، سعيد عقل. لقد اعتدى الفرنسيون على اثنين من كبار معلميه، وان كان لا يقر الا بمعلم آخر، هو بول فاليري. مثله ايضا، ابدع في الرمز، ابدع في الشعر، وماج في النثر.
غرق الموارنة الاولون في الرومانسية. رحالة هائمون، متعجلون، لا يحتمل مزاجهم التأمل والتمهل. رواد يقتحمون النوافذ والابواب والحلبات والخشبات. وينزعون عنهم اسم الولادة حيث يمكن ان يثقل او يعيق. الجميلة الساحرة الكسندرا بدران صارت نور الهدى. والشحرورة جانيت فغالي صارت صباح، تقتضي آداب الغربة حفظ الآداب. اشعر المهاجر اللبناني موطنه الجديد في ارض الكنانة انه خليق بما يمنح. جرجي زيدان سمى مجلته "الهلال" وابناء تقلا سموا اول جريدة في مصر "الاهرام". هل لدى جنابك اسم افضل؟ ولما وجدت بديعة مصابني ان لا ضرورة للتغيير تركت كل شيء على حاله: "كازينو بديعة مصابني" شرفونا.
في عامه المئة، ختم سعيد عقل، آخر صفحة في القرن الرومانسي الذي كان قرن الموارنة. اما هو فكان، تحت غطاء لبنان، في "المارونيين" ايضا. ساعة يبحث في فينيقيا، وساعة ينقّب في اللاهوت، وساعة يستعين بتوما الاكويني، وساعة يخاطب طيور البرية وشجر اللوز مع فرنسيس الاسيزي. احتار، في وفي من، اراد ان يكون، عندما تأكد من انه قادر على تمضية العمر وحيدا، كل الناس خارج عالمه. صمد وبرع في اعلاء السياج حوله. الغى الافراد وتعامل مع القضايا. انتقد المساوئ ولم يهاجم المسيئين. كلف نفسه مدح الناس ظنا انه يرفعهم اليه، ولم يهج احدا، خوف ان ينزل اليه. كل حركة يأتيها كانت جزءا من صناعة حرفية نادرة ومكابرة، اسمها سعيد عقل.
كان به من ثقته المذهلة بالنفس، ان اراد ان يكون كل شيء. رئيس بلدية. ورئيس جمهورية. شاعرا وثائرا ومؤرخا وخطيبا، ولكن مثل شيشرون، يخطب للتاريخ لا للحضور. وفي هذه المسيرة المطرزة بمهارة، تأتى له الرحابنة وصوت فيروز، فأغراه غروره الجميل بان يكتب بالعامية، التي هزمه فيها ميشال طراد، وكذلك عاصي ومنصور. ضعف جميع اهل جيله وانزووا مبكرين. دمرتهم يوميات الدنيا ولزومياتها الصغيرة. وبقي هو منصرفا الى نفسه، واثقا من ان المئة ايضا سيطوعها، كما طوع اجمل الشعر. وظل يلاعب الكلمات، مثل فراشة مرة، ومثل نحلة مرة، مدركا ان له طاقة خارقة على صنع تمثال بلا نموذج امامه، خيال خصب ولغة زمردية.
يكرم الموارنة  اهلهم فقط اذا ما بلغوا في السباق حاجز المئة عام. عندها يتذكرون انهم امضوا العمر والوطن والارض يكرمون بطولة القفز وسباق الحواجز. توسلهم سعيد عقل ان يجعلوه رئيس بلدية لكي يثبت لهم ان الحكم ليس جنونا. وخذلوه طالب نيابة، فلما سئل عن سبب سقوطه قال: "جورج الهراوي يطبب 9 آلاف امرأة في زحلة، كيف يمكن ان اهزمه؟".
لكن سعيد عقل اصابه ايضا الارتخاء اللبناني التاريخي حيال البكوية وجاه المظاهر. ولن ينسى له انه تبنى العنف وهرّج للطغيان. ومهما فصلنا بين الشاعر والشعر، يبقى ان سعيد عقل لم يقدّر معنى ان يمشي في اعراس الموت، وان يخيّل اليه، هو الرائي الكبير ورجل الحساب، ان الحل يمكن ان يكون في الاحتلال.
حتى في هذا لم يُعط دورا او موقعا. بالغ في احلامه حتى ظنت الناس انه اذا نزل الى واقعه سوف تنفجر فيه الحقيقة. وما استطاع ان يخلع العباءة الملونة التي طرزها لنفسه بحرية عجيبة وتناقض غير مسؤول. فقد امضى ردحا يمتدح الاتحاد السوفياتي ويعظم علومه، ثم تحدر فجأة الى امتداح الجماهيرية العظمى.
ولكن اليس هذا التناقض الطبيعي في الشخصية المارونية؟ ان يكون البطريرك بولس مسعد هو الراعي الاول لعامية طانيوس شاهين، وهو مضطهد احمد فارس الشدياق، ألم يقر مجمع اللويزة منتصف القرن الثامن عشر ان الكنيسة تتكفل نصف القسط المدرسي عن كل ماروني، نشرا للعلم، قبل قرنين من ان يفرض طه حسين التعليم الالزامي في مصر والحبيب بورقيبة في تونس؟ ثم سعيد عقل هذا، الم يقل عام 1938 ان هذا القرن قرن التعدد لانه قرن الثقافة، فإذا به ديكتاتور ثقافات؟
مئة عام وهو يطل بقامته وحضوره المسرحي الطاغي، باحثا عن اماكن عليا يستريح فيها. وهذه الكبرياء جعلته يتحلل احيانا من مسؤولية الكلمة التي كان سيدها بحق واحيانا عبدها بخفة وتدلل.
كان ذلك قرنه، في اي حال. ولد قبل لبنان الكبير وشاهده يصغر، عقدا بعد عقد. حلم بفخر الدين قبل الاستقلال، وضعفت ذاكرته قبل ان يسمع ما يقوله احفاد فخر الدين. قد تكون بكركي اخطأت في احتكار التكريم. لكن الذين اعترضوا على ذلك، فليقولوا من غيرها يستطيع ان يتحمل تكريم هذه الصخرة.

← العودة إلى مختارات