إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

الغلبة للرحمة - سمير عطالله (النهار)

مصادفة تموز، أو يوليو، شهر الامبراطور، رمضان، شهر البسطاء، والمشاركة والتراحم، ليس بالفأل الحسن، على الاقل ليس في هذه الأمة، المصابة منذ زمن بداء الخلل، وطاعون العنف وانتحاريات الغرور. لذلك تشاءم العراقيون وتكمدوا عندما حل 14 تموز مع 14 رمضان، وخافوا طغيان الدموية على الرحمة، وادركوا ان اطلاق اسم الثورة على يوم الرعب سوف يغطي انهرا من الدماء، وسلسلة من السجون، وظلما افظع من زمن العبيد. فعلى قوة التعوّد، اصبحوا يدركون النذر سلفا، ويلمحون الشؤم في سفه البلاغات، ويعرفون ان ادعياء الثورة سوف يحولون الشوارع انهارا قانية .على رغم كل شيء، يصوم العرب الى ربهم، محاولين سحب رمضان من مخالب تموز. فلا يفقدون الرجاء ما بين الثورات المتعبة والانظمة المتهالكة. ولقد وعد الله الصابرين ان هم صبروا، وعلمهم ان كل ظلم الى زوال، دنيا وآخرة. وترك لهم ان يقبّحوا التاريخ البشع، وان يعزوا النفس بالتاريخ العطر. وايا تكن درجة المعاناة وثقل العناء، فها هو وجه الأمة يتغير. في تعثر، لكنه يتغير. وفي ألم، لكن فسحة الامل هذه المرة امدّ وابقى. هذه المرة، الامة هي التي تقلُب وليس من ينقلب. فرعون هو الذي يحاكم، وليس من يقضي في الناس بلا احكام. الرجل الذي في قفص حديد ضيق، هو الرئيس الذي كان هو كل الرؤساء وكل القادة وكل العسكريين. وخلافا لعادة العرب وتقاليد الفظاظة وقواعد الارهاب، لا يمثل امام محكمة عرفية او عسكرية او طارئة، بل امام محكمة عادية بسيطة، ولا تخلو من الظرف المصري.
ذكّرنا المحامون بمسرحية مصرية قديمة عنوانها "القضية"، يتصالح فيها المدعي والمدعى عليه، لكن المحاميين يصران على المطالعات، فكلاهما لم يوكل في قضية من قبل. ففي مصر، كما في ايطاليا، "الافوكاتو" هو فخر العائلة. ولا يعني شيئا لاحد ان 90% من المحامين عاطلون عن العمل 98 % من العمر. ولما وجد احد المحامين ان احدا لن يوكله حتى بالمجان، لفت الانتباه اليه بالقول ان الذي ظهر في القفص بديل، وليس مبارك نفسه. على ان في المجموعة عددا من كبار القانونيين، بينهم محامي الرئيس، الماثل امام القضاء، المحتجز لدى رجال الشرطة، المحروس من الجيش، والذي كان حتى الأمس، قائد الجيش والشرطة ورئيس القضاء بموجب دستور يشبه جميع الدساتير العربية، التي وضعت نصوصها جوقات من الضعفاء والاذلاء وجهال القوانين.
تقدم مصر، في عفوية، الامثولة مرة اخرى، لا ادري من الذي قال ان النيل يمر في بلدان كثيرة ولا يعدو ان يكون نهرا، فإذا ما بلغ مصر صار النيل. هنا يهدا متكاسلا مثل اهل القيلولة، وهنا يصحو ويهبّ وتوقظ ضفافه الثائرة شعوب الخدر.
فهذه هي مصر، التي هدهدت سرير فرعون، سبعة آلاف سنة واركبته على ظهرها لتبني له الاهرام، تحمله على سرير نقال الى قفص المحاكمة. هي التي زعمت على نفسها المماليك والتونسيين والالبان وهي التي ابعدت وريث محمد علي بعزف النشيد الوطني ونادت على ابن موظف بريد من الصعيد. هي التي لا تنفك تقع على ظهرها من نكات الصعايدة وهي التي تستقبلهم رؤساء وعلماء واهل نهضة وعلم. لها فرادة عجيبة معذبة الضفاف، التي تخصب ارحامها اكثر من الترع ومساقط البلح.
هذه هي الامثولة اليوم في بلاد العرب: فرعون، في محكمة عادية. لا عرفية ولا عسكرية ولا ادانات سابقة ولا اعدامات مكتوبة النصوص باقلام الرصاص وحبال الجلوزة. ولا رئيس يساق الى السجن بأقل بكثير من سارق الحمير. نحن، اعتدنا محاكمة العقيد محمد امين المهداوي، ابن خالة اللواء عبد الكريم قاسم (ماكو زعيم الا كريم). وهل تريدون ان تعرفوا شيئا ما؟ لم يكن المهداوي بذلك السوء كما بينت المحاكمات العربية في ما بعد. كان على الاقل مسليا. وفي ما يعني العراق.، كانت المحكمة التي بسط فيها عدالته، وشرح فيها قانونه، افضل من المحاكمات التي عقدها صدام حسين، ثم المحاكمة التي عقدت له، قبل ان يتسلم الحبل من جلاده ويضعه حول عنقه.
كم سمعت الناس تعرب عن الحنين الى عبد الكريم قاسم. مات المسكين فقيرا. وبلا حسابات وبلا هوايات. بذخه الوحيد كان الافراط في شراء الاشرطة التي يسجل عليها خطاباته.
ثمة فوضى كبرى في مصر اليوم. وكل آن يطل على الميدان مليون من فئة ما. وبعد السلفيين يهيئ السوفيون انفسهم. و تخيل نفسك قبطيا تنتظر نتائج المنافسة وتصلي الا تصل الى الصراع. ولكن ماذا تنتظر بعد قرون الكبت والصمت وحمل الحجارة الى اعلى الهرم؟ الحقيقة انه منذ رع واختراع ورق البردى، لم يعرف المصريون حرية نسبية كما عرفوا ايام مبارك، الذي ارسل الى السجن فقط الصحافي الذي اعلن وفاته. مع ان النبأ كان مبالغا فيه، كما قال مارك توين عن نشر خبر وفاته. اقام مبارك تواطؤا صامتا: اتركوا لي الحكم ولجمال الوراثة، وخذوا ما تشاؤون. استخدم قبضته فقط عندما خطر لابن بلد يدعى ايمن نور ان يرشح نفسه ضده تحت عنوان "كفاية". نسي ذلك الغاشي ان مصر بلد عربي ايضا، وان الذي يرشح نفسه للرئاسة في بلاد العرب هو فقط الرئيس، وانه، سواء اكان في حجم جمال عبد الناصر ام في اي حجم آخر، سوف ينال 99,999% من الاصوات.
ولكن لا بديل سياسيا من نظام متهالك، في بلد بحجم مصر، وانما رعب من مجيء السلفيين بكل اجنحتهم وفرقهم، او خوف من مجيء الجيش، او استسلام لفكرة فوز "الاخوان المسلمين"، التي تمهد لها اميركا. وسبب ذلك ستون عاما من غياب اي عمل سياسي او السماح بظهور اي وجه مستقل او اي رجل فكر او علم او خبر او حداثة او معرفة باصول الحريات ومعنى غيابها ومعنى وجود مجتمع يعيش ولا هم حياتيا له سوى القوت ولا هاجس سوى الخروج من عصر النوم في المدافن. طبعا نحن نعرف ذلك عن مصر لان ما تسرب منها من الحرية اطلعنا على حالها. نحن لا نعرف ان وضع بقية الامة اسوأ، وان احدا من انظمتها لا يخجل رفة جفن واحدة، بأنها امة هاربين ولاجئين ومنفيين، وان ملايين عدة من العرب تبحث عن كرامتها البشرية في دول الاستعمار السابق، فيما الملايين من التي لم يقدر لها السفر، تشتهي عودته، وتضرع الى الله ان يعيد الشرطي ذا العصا بدل الشرطي الذي يطلق الرصاص على بشر لا يعرف من هم ولا ما هم ولا مدى الذي ارتكبوه لكي يستحقوا الاعدام في الشوارع
. أوقفت الامة في الشوارع والساحات والازقة وعلى الشرفات، تردد لازمات الكذب والنفاق وتمارس كفر السجود لاهل الطين وحملة السياط. الغيت وزارات الثقافة وسلمت تحت المسمى نفسه الى عسكريين. اوقفت الشعوب والنفوس والجبائن واوقف المثقفون والاحرار والحالمون، في طابور واحد، يهتف ويصفق. وقامت حلقة مضحكة ومذلة من الكتبة والمنظرين ومحللي العبودية والقهر وتشريع الظلم الموصوف.
اين في هذا سوف نتعرف او نتبين الانسان العربي؟ كيف يمكن ان يصبح عالما او قاضيا او مفكرا او منشئ نهضة وحضارات؟ كيف سيبني اقتصادا يتخطى بديهيات القرن الرابع وافكار القرن الخامس؟ اي اجيال سوف تطلع في بلدان ليس فيها مكتبة ولا صحيفة ولا مقهى. والمقهى هنا ليس حيث يشرب العربي قهوته، ويتأمل سيقان المارات، وينسى ظروف القلة في بيته،  بل حيث وضع جان – بول سارتر معظم كتبه، وحيث اخرجت الحوارات الثقافية تيارات الفكر والحرية والرقي.
نشارك الزميل سليمان بختي في ان اقفال "الستي كافيه" يشبه محو قلعة من الذكريات الثقافية التي عاشها لبنان وتميز بها على رغم الستارات الحديد التي سدلت على عقول العرب في كل مكان.
لقد اجتذب منح الدبغي منذ اليوم الاول الى "الهورس شو"، جمهور الثقافة والحداثة والمنخرطين في حلم التقدم. ويدين شارع الحمراء، في صيغته الاولى، اكثر ما يدين، الى ريادة "الهورس شو" في رسم نمط جديد للمقهى، حيث نصف الناس نجوم ونصف متفرجون، وطبعا كان هناك مدعون وطفيليون وضجيجيون، كما في كل ملتقى جذاب، ضريبة الذباب.
حمل منح الدبغي فكرة صاحب الملتقى لا بائع القهوة. فقد جاء هو ايضا من الجامعة الاميركية مثل الدكاترة والخريجين الذين صاروا يأتون في الصباح والظهر والمساء. ولا مبالغة اطلاقا في القول انه عندما اقفل "الهورس شو" في الحرب، اقفل معه شارع الحمراء، كواجهة حداثية مضيئة لبيروت. وعندما عاد بعد الحرب ليفتح "سيتي كافيه"، اقام اول مكان ينهي القسمة وتلتقي فيه الشرقية والغربية. ومنذ ايام "الهورس شو" يعرف منح ان المرء لا يصنع الثروات مع المثقفين، واحيانا لا يقوم حتى بأود نفسه. لكنه مع هذا منحنا، طوال نصف قرن، ملتقى الصداقات والحوارات، وقد كانت "الستي كافيه" بالنسبة الي، طوال سنين، موعد ظهر الخميس مع الراحل الحبيب امين الحافظ. والامين كان هو الشرقية والغربية اللتان لم تفترقا.
فقدت في غياب امين الحافظ الموعد الاسبوعي الوحيد في بيروت. كل شيء آخر صار مواعيد متفرقة ورهن المصادفات. لكننا لم نغب عن "السيتي كافيه" ولا توقفنا عن طلب نقد منح الدبغي في ما يُكتب او يقال في المدينة. فكم يأنس المرء الى "موضوعية" هذا القارئ الذي مرّ به جميع كتّاب لبنان.  "السيتي كافيه" لم تكن جغرافيا في الحمراء وانما اسميا كذلك. فلم يتقبل احد فكرة بيع "الهورس شو". فيومها ايقنا ان الحرب قضت حقا على شريط الذكريات الجميل يوم الناس بعدها في العشرين ولا تصدق ان العمر غفلة والسبعين على المفترق، هي وشيبها، وتموز العرب الذي يخترق رمضان برصاصه ودمائه وصورة الفرعون في سرير في قفص، يحاول وريثه ان يحجب منظره عن كاميرا الكون. ومهما تمادى تموز تبقى لرمضان صورة الرحمة. بدأت هذه المنطقة الموبوءة بالجهل والنوم والصمت، ترسل الفراعنة الى القفص.

← العودة إلى مختارات