العدالة الدولية من نورنبرغ الى لاهاي - محمد السماك (المستقبل)
إذا كانت فلسطين ليست رسمياً دولة بعد بموجب القانون الدولي، وإذا كانت إسرائيل كعضو في منظمة الأمم المتحدة ترفض حتى الآن التوقيع على اتفاقية محكمة العدل الدولية، هل يمكن لفلسطين أن ترفع دعوى على إسرائيل أمام المحكمة بتهمة انتهاك حقوق الانسان واقتراف جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني؟
لا تتوفر إجابة قانونية حاسمة حول هذا الموضوع حتى الآن. ولذلك لا تزال القضية المرفوعة على إسرائيل أمام المحكمة الدولية في لاهاي بشأن العمليات العسكرية التي استهدفت غزة في عام 2008، معلقة حتى الآن.
لقد أدت تلك العمليات الى مقتل أكثر من 1400 فلسطيني بينهم ما لا يقل عن 900 مدني، وأصابت بجراح أكثر من 5000 فلسطيني آخرين معظمهم من النساء والأطفال. ودمرت مبان حكومية، ومدارس وجامعات ومستشفيات ومصانع ومساجد. وبعد ذلك فرضت حصاراً شاملاً على القطاع لا يزال مستمراً حتى اليوم.
لقد أجرت المنظمات الانسانية والقانونية التابعة للأمم المتحدة تحقيقاتها بشأن الارتكابات الإسرائيلية. وأجمعت على اتهام إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وباستهداف المدنيين، بما في ذلك المدارس التابعة للأمم المتحدة والتي لجأت اليها عائلات فلسطينية للإحتماء بمظلتها الدولية.. ولكن دون جدوى. وأثبتت هذه التحقيقات كذلك ان إسرائيل تعمدت عدم التمييز بين المدنيين والمقاتلين المسلحين، وانها استخدمت اسلحة مدمرة دولياً منها القنابل العنقودية والقنابل الفوسفورية، والقنابل الفراغية والانشطارية، وانها استهدفت من وراء ذلك اصابة أكبر عدد من الضحايا.
ولكن لأن إسرائيل ليست عضواً في اتفاقية المحكمة الدولية، فليس للمحكمة "سلطة" تخولها التصرف داخل إسرائيل ومعها. غير أن لمجلس الأمن الدولي بموجب مسؤولياته سلطة تفويض المحكمة متابعة هذه القضية. وقد سبق للمجلس أن فوض المحكمة الدولية هذه الصلاحيات في دارفور بالسودان. ولكنه امتنع عن منح هذا التفويض عندما أصبح الوضع يتعلق بإسرائيل. ذلك ان الفيتو (النقض) الأميركي كان بانتظار أي مشروع يقدم الى المجلس يدعو الى تفويض المحكمة. اما بالنسبة للسودان فان الولايات المتحدة كانت القوة الدافعة وراء القرار الذي اتخذه المجلس بمنح المحكمة الدولية مسؤولية التحقيق وتوجيه الاتهام الى من تعتبرهم متورطين في الجرائم التي ارتكبت في دارفور. ولذلك فان الذين ارتكبوا جرائم أبشع في غزة، فأنهم في حسابات الادارة الأميركية خارج المتابعة وفوق الادانة!!.
لا يعني ذلك ان الطريق مسدود أمام محاكمة إسرائيل. فبموجب المعاهدة التي قامت على أساسها محكمة العدل الدولية في لاهاي، فان "للسلطة" الفلسطينية الحق في أن تطلب من المحكمة وتحديداً من المدعي العام لويس مورينو أوكمبو التحقيق في الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل ضد القانون الدولي في الأراضي الفلسطينية.. ولكن الولايات المتحدة تقول ان السلطة ليست حكومة وان الاراضي الفلسطينية ليست دولة، وان العضوية في المحكمة الدولية هي وقف على الدول المعترف بها رسمياً والتي تتمتع بالعضوية في منظمة الأمم المتحدة، ولذلك فانه لا يحق للمحكمة الدولية ولا للمدعي العام قبول الطلب الفلسطيني.
يطرح هذا الموقف الأميركي المدعوم أوروبياً أيضاً، قضية اخلاقية وانسانية على جانب كبير من الأهمية. وهي : هل يجوز تجاهل جرائم ضد الانسانية، وجرائم حرب، اذا ارتكبتها دولة ما (إسرائيل) ضد شعب آخر لا يعترف المجتمع الدولي بدولته؟!.. وهل يجوز استباحة حقوق الانسان اذا كان هذا الانسان يعيش في مجتمع وليس في "دولة"؟ وهل ان احترام حقوق الانسان وحقوق الجماعات مشروط بقيام الدولة أو بالاعتراف بها؟..
لقد جرى خرق حرمات دول عديدة. وجرى ذلك بموجب قرارات صادرة عن الامم المتحدة، وذلك بحجة اتهام هذه الدول بعدم احترام حقوق مواطنيها. ولعل تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا هو آخر مثل على ذلك. وقبله كان التدخل في أفغانستان المحتلة حتى اليوم، والتدخل في العراق الذي اجتاحته الولايات المتحدة مع حلفائها، حيث لا تزال قواتها تهيمن على مقدراته منذ عام 2005. فكيف يجوز التدخل هنا ولا يجوز التدخل لوقف المجازر الجماعية التي ترتكبها دولة (؟) إسرائيل بحق شعب آخر (الشعب الفلسطيني) تحتل أراضيه وتمنعه من اقامة دولته على بقية أرضه؟.
ثم هل من شأن محكمة العدل الدولية عندما تنظر في جريمة ما ضد الانسانية، أن تتخذ موقفها من الجريمة على أساس هوية الجاني وهوية المجني عليه؟ بمعنى ان تنظر في ما اذا كان الجاني عضواً في معاهدة المحكمة، وما اذا كان المجني عليه دولة!.. وهل يسقط الاتهام ويلغى التحقيق، ويصرف النظر عن الجريمة اذا لم يتوفر الشرطان في المدعي وفي المدعى عليه؟.
تقتضي محاولة الاجابة على هذه التساؤلات التوقف أمام الأمرين التاليين. الأمر الأول هو ان المحكمة الدولية حددت مهمتها بموجب معاهدة روما "بمعاقبة كل من يرتكب جريمة دولية" وذلك "لمنع انتهاك حرمة المجتمعات الانسانية". وبموجب هذا التحديد فليس للمحكمة أن تتوقف عند حدود أو عند الشكليات المتعلقة بهوية المرتكب للجريمة.. أو الضحية.
أما الأمر الثاني فهو ان معظم دول العالم، بما فيها الدول التي تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الامن الدولي تعترف بما تسميه "الاراضي الفلسطينية". وتتعامل مع المؤسسات الرسمية القائمة في هذه الاراضي بما فيها السلطات السياسية والتشريعية وخاصة القضائية. صحيح انه لم يطلق على هذا التجمع المؤلف من أرض وشعب ومؤسسات دستورية اسم "دولة"، الا ان الواقع هو ان ثمة كياناً لدولة فلسطينية لا يحتاج الى ما هو أكثر من الاعلان الرسمي عن ذاته، والاعلان الدولي بالتعامل معه. والمحكمة الدولية في لاهاي لا تستطيع ان تغمض عينيها عن هذه الحقائق وان تشق لذاتها طريقاً معاكساً.. على النحو الذي لا تزال تقوم به حتى الآن!.
فبعد مرور ستة أشهر فقط على انتهاء الحرب العالمية الثانية واستسلام ألمانيا، بدأت في شهر نوفمبر من عام 1945 محاكمة مجرمي الحرب في نورنبرغ وانتهت بعد أقل من سنة، في اكتوبر من العام التالي. وقد استخدمت تلك المحاكمة سابقة تشكل اساساً لعمل محكمة العدل الدولية في لاهاي، وخاصة عندما تنظر في جرائم ضد الانسانية كتلك التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان (1982 و1993 و1996 و2008) وفي فلسطين منذ 1948، انتهاء بالحرب على غزة 2008. في ذلك الوقت -اي في عام 1945- لم تكن هناك دولة ألمانية، فقد سقطت الدولة وانهارت. مع ذلك فان المدعي العام الأميركي، والذي كان يمثل الدولة المنتصرة، حمل الى المحكمة ملفات لاثبات التهم الموجهة الى النازية بلغت خمسة ملايين صفحة. واحتاج الى ست شاحنات لنقل ملفات الادانة ضد جهاز المخابرات (أس.أس) الى المحكمة ولم يقل أحد يومها ان ألمانيا ليست دولة أو لم تعد دولة، وبالتالي فلا شرعية لمحاكمة المجرمين من أبنائها.
لم تتوقف محكمة نورنبرغ أمام شكليات ما اذا كانت ألمانيا دولة شرعية أم انها دولة فاقدة للشرعية وبالتالي ما اذا كان يجب محاكمة أو عدم محاكمة مجرمي الحرب استناداً الى أي من الصفتين. وقفت المحكمة أمام الجرائم البشعة التي ارتكبتها النازية في أوروبا وضد اليهود تخصيصاً. وأصدرت أحكامها استناداً الى القوانين والمواثيق الدولية التي كانت قائمة في ذلك الوقت. ولقد نشرت المحكمة وثائق مداولاتها في احد عشر مجلداً، كما نشرت وقائع محاكماتها في عشرين مجلداً آخر.
وتشكل هذه المواد قاعدة ومرجعاً لمحاكمة مجرمي الحرب كل مجرمي الحرب- سواء كانوا كروات أو صربيين أو بوسنيين، أفارقة أو أسيويين.. إسرائيليين أو أميركيين. فالانسان انسان. والمجرم مجرم. والعدالة واحدة. أو هكذا يفترض أن تكون.