خطوط حمراء - ساطع نور الدين (السفير)
مليونية القاهرة اليوم هي مثل المليونيات العديدة السابقة التي حشدت بضع عشرات أو ربما مئات الآلاف من المصريين، على مدى الاشهر السبعة الماضية من عمر الثورة المصرية، وتحولت الى تقليد اسبوعي يختبر مزاج الرأي العام المصري ويفرز قواه السياسية ويحدد جدول اعمال المرحلة المقبلة، ويفرضه على السلطة التنفيذية في غياب سلطة المراقبة والمحاسبة. عنوان مليونية اليوم اسرائيلي. والهدف محدد بدقة متناهية. لكن الانظار التي تتجه الى ميدان التحرير، قد لا ترى بدقة متناهية ما يحدث في ذلك المجتمع الخارج للتو من أسر عقود أو حتى قرون من الاستبداد.. يبحث عن هويته الوطنية وسياسته الخارجية. التقليد بحد ذاته إنجاز. ان يصبح التظاهر في القاهرة وفي مختلف المدن المصرية حقا مكتسبا ومشروعا مثله مثل الحق في التظاهر في أي شوارع أي بلد غربي، يعني ان أحدا بعد اليوم لن يستطيع ان يحتكر السلطة، او ان يحدد وجهتها. فالشارع المصري هو وحده الذي رسم معالم الطريق الى المستقبل، وهو اليوم يخوض في اختبار جوهري حول طريقة التعامل السياسي مع اسرائيل، بغض النظر عن الموقف المبدئي الذي لا جدال فيه، وطريقة التفاعل مع القضية الفلسطينية بغض النظر عن الموقف التاريخي، ذي المكونات الوطنية والدينية والاخلاقية وحتى القومية. قياس الحشد في ميدان التحرير لن يكون حاسما. فقد سبق لمصر الثورة ان حددت مطالبها الاربعة من اسرائيل بعد الاعتداء على القوات المصرية في رفح. وكانت هذه المطالب بمثابة قواسم مشتركة بين مختلف القوى السياسية المصرية التي لا تبغي ردا عسكريا على استشهاد الجنود الثلاثة، لكنها لا تقبل تسامحا مع الاسرائيليين يعيد الى الاذهان التساهل وأحيانا التواطؤ الذي كان يبديه نظام الرئيس حسني مبارك. ثمة رغبة شعبية وسياسية عارمة بالقطيعة مع ذلك النظام من دون الإقدام على أي مغامرة غير محسوبة أو سابقة لأوانها.. وهو ما يمكن ان يرسم حدودا ثابتة للعلاقة مع اسرائيل، تتخطى فكرة معاقبة الفساد والمفسدين الذين باعوا ثروات مصر بأبخس الاثمان، على نحو ما هو جار في ملف بيع الغاز الى الاسرائيليين. بلوغ هذا الهدف سهل جدا. فقد انتهى زمن تصنيف مصر شريكا استراتيجيا لإسرائيل في صنع السلام ثم حليفا استراتيجيا في حماية مكتسباته التي أثبتت الثورة انها كانت أقل بكثير مما تستحق مصر، بل لعلها كانت وهمية. ويعرف الاسرائيليون ان الخطأ الذي ارتكبوه في رفح كان استراتيجيا، وسيسفر حتما عن تعزيز وجود الجيش المصري في صحراء سيناء.. مع ان ثمة من يقول انه كان متعمدا لاختبار العلاقة الثنائية، وايضا لامتحان الموقف المصري من التحدي الفلسطيني المشترك والذي لا يحتمل التأجيل في قطاع غزه. لن تكون تظاهرة اليوم مليونية، لكنها سترسم الكثير من الخطوط الحمراء أمام اسرائيل، من دون ان تفتح الكثير من الآفاق أمام الفلسطينيين الذين أفقدتهم عملية ايلات الملتبسة بعضا من قدرتهم على الفصل بين ما هو سلطة وما هو مقاومة في قطاع غزه.