فائض القوة في التيار يزيد في «غربته» - غسان سعّود (الأخبار)
لا يمكن إحصاء الأضرار التي تلحق بالتيار الوطني الحر بسبب فائض القوة التي وفّرها التسونامي البرتقالي للعونيين عام 2005. لم يغض العونيون النظر فحسب عن إنشاء حزب جدّي، وخسروا بفضل قوتهم كل الأصدقاء بفضل انضمامهم إلى المردّدين: من ليس معنا، هو ضدنا
غسان سعوديتذكر الزملاء في جريدة النهار جيداً المسؤول الإعلامي السابق في التيار الوطني الحر أنطوان نصر الله. قبل بضع سنوات كان المحامي البحمدوني يغادر اجتماعات التيار في الجديدة قبل انتهائها، ليهرع إلى مكاتب النهار حاملاً بياناً أو خبراً كتب بخط اليد على ورقة صغيرة. هناك يتنقل بين ثمانية أو تسعة محررين ليضمن أن الخبر الذي يحمله سينشر في اليوم التالي. ومن «النهار» يغادر مسرعاً صوب «الأنوار» أو «اللواء» أو «السفير». لاحقاً، منذ نحو سنتين، لم يعد التيار بحاجة إلى مسؤول إعلامي ولا إلى حدّ أدنى من العلاقة الجيدة مع وسائل الإعلام والصحافيين غير الحزبيين. لا بل إن المكلفات بملف الإعلام في الرابية يعتقدن أن مهمتهن تحذير الجنرال من هذا الإعلامي أو تلك المؤسسة الإعلامية، بدل تقريب المسافة بينه وبينهم، وتشجيعه على التواصل مع الأبعدين قبل الأقربين. يحق لتلك الصحافية التي كانت تحمل راية العماد ميشال عون وتقاتل كل صحيفتها لتضمن نشر «النشرة» التي كان يكتبها أسبوعياً من باريس أن تتساءل إذا كان الجنرال يعلم أنها غادرت لبنان والصحافة المحلية منذ ثلاث سنوات. هي تعلم أنه يعلم، وتفضّل ألا تعلق على الموضوع، خصوصاً أن عشرات العونيين سيتبرعون بتحقيرها وإهانة نضالها «المهني» إذا عبّرت اليوم عن عتبها على التيار لعدم التفاته إليها في معركتها الوحيدة، بعد وقوفها معه في كل معاركه.
انتهت مرحلة. اكتشف التيار بعد الألفين وخمسة عبارة كانت غائبة عن قاموسه: صحافي مرتش. عبارة سحرية هي هذه، تأخذ عقول العونيين: كل من يكتب ضد التيار، كل من ينتقد هفوة هنا أو تقصيراً هناك، كل من يفكر بطريقة لا تنسجم بالكامل مع طريقة تفكير التيّار هو، بكل بساطة، مرتش. ثمة نائب في التيار لا يتردد في استخدام هذا الوصف لكل من يكتب مقالاً لا يلائم تطلعاته المقدسة وأفكاره النيرة. نائب رئيس الحكومة الأسبق والعوني السابق عصام أبو جمرة يعتبر رائداً في هذه المدرسة. ولا تنتهي الأمور هنا، يكفي أن ينحاز الصحافي في قضية إلى نائب عوني ضد نائب عوني آخر، ليتهمه أنصار النائب الثاني بقبض ثمن المقال الذي كتبه من النائب الأول. عند النقاشات مع أصحاب هذه الذهنية يتبيّن أنهم يثقون بامتلاكهم الحقيقة المطلقة التي لا يمكن أبداً مخالفتها، وبالتالي فإن من يختلف معهم هو بالضرورة مرتش لأنه، بكل بساطة، يسوّق لأفكار هو في الأساس غير مقتنع بها.
قبل بضع سنوات، لم يكن الناشط العوني بول باسيل ورفاقه يترددون في اقتحام الصحف المحظورة عليهم بمقالاتهم وتحقيقاتهم، من «المستقبل» إلى «اللواء» مروراً بـ«السفير». لم يكن أحد منهم يهتم بالسؤال عن مصدر تمويل هذه الجريدة أو تلك، كان الهمّ هو إيصال الأفكار العونية إلى أكبر عدد ممكن من اللبنانيين وإقناعهم بها. هذه أيضاً لم تعد حاجة عونية. فالعونية الجديدة ترى أن ما على الراغب في التعرف إلى أفكار التيار إلا «ركلجة» الـ«أو تي في». يمكنه التنقل بين مايك فغالي و«لول» و«تيتا لطيفة». المبدأ واضح: على المجتمع أن يأتي إلينا، لن نذهب إليه. ويكفي أن يحضر عوني نشرة الأخبار على تلفزيون الجديد أو المؤسسة اللبنانية للإرسال ليصفه رفاقه بـ«المندس»، حتى لو كان تحسين خياط عونياً أكثر من العونيين، وحتى لو كانت المسافة الفاصلة اليوم بين بيار الضاهر وسمير جعجع أبعد بكثير من المسافة الفاصلة بين عون وجعجع.
في السابق، كان سيتصل المسؤول الطلابي السابق أنطوان حرب ألف مرة بالمنظمين لمؤتمر «انتظارات الشباب» ليضمن أوسع مشاركة ممكنة للتيار بهدف اشتراك العونيين في الحلقات النقاشية. اليوم سيتصل منظّمو المبادرات المماثلة ألف مرة بالمسؤولين العونيين عن الطلاب الذين لن يوفّروا لهم اسماً واحداً يمثّل التيار في لقاءات كهذه. هنا أيضاً تغيّر العونيون: ستجدون في رأس الهرم العوني وقاعدته وما بينهما كثيرين يردّدون: نحن لا نحتاج إلى المجتمع، المجتمع يحتاج إلينا. ثمة اقتناع عوني راسخ: حين ينتخب اللبناني اللائحة البرتقالية، فإنه لا يفيد العونيين بل يفيد نفسه. هذا ليس مجرد شعار ولا هي عبارة تهكمية، هكذا يتصرف العونيون اليوم. في النقاشات مع بعض المسؤولين عن تلامذة المدارس يمكن سماع روايتين مضحكتين. يرى بعضهم أن على أهالي التلامذة الاستيعاب أن سماحهم لأولادهم بالانتساب إلى أحزاب أخرى غير التيار هو بمثابة تشجيع على الانحراف: من التيار الوطني الحر سيتخرّج أبناؤهم محترمين يحظون بتقدير المجتمع، من الأحزاب الأخرى سيتخرّجون حشاشين وسكرجيّة. أما النظرية الثانية فترى أن من ينتسب إلى القوات في صغره يراجع موقفه بعد بضع سنوات، وتحديداً «حين ينضج»، بدليل أن عدد المصوّتين للقوات في السنة الجامعية الأولى هو دائماً أكبر بكثير من عدد الذين يصوّتون للقوات في السنة الجامعية الرابعة. يتبيّن إذاً أن الانتساب إلى التيار، بحسب عونيي اللحظة، هو واجب اجتماعي، وخيار لا يقدم عليه إلا الناضجون.
في السابق كانت علاقة التيار وطيدة بالكثير من المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية والتجمعات العائلية والتجارية والمناطقية. اليوم سيتبرع العونيون، بوصفهم أعلم الناس، بتصنيف اللبنانيين، مسقطين الأحكام: هذا يموّل من السعودية، هذا صنيعة ميشال المر، هذا تديره السفارة الأميركية. والعونيّ يعتقد أن انتماءه العوني يكفي لإثبات صدقيته، فلا يحتاج عند اتهامه أحد إلى دليل أو إثبات أو غيره.
قبل انتخابات 2010 البلدية، كان التيار هو القوة الحزبية الوحيدة العابرة لمختلف العائلات (في كسروان وجبيل مثلاً ستكون نصف عائلات البلدة كتلوية والنصف الآخر دستورية، في المتن كان يكفي أن تكون إحدى العائلات الكبيرة في البلدة كتائبية، لتكون العائلات الأخرى قومية ولحودية ومرية). لكن بعد الانتخابات الأخيرة حصل فرز عائلي في الكثير من البلدات، وحاولت عائلات كثيرة الاستئثار بالتيار. هنا أيضاً لم يجد التيار نفسه مضطراً إلى مصالحة هذه العائلة أو تلك، لا بل على العكس من ذلك: في جبيل مثلاً يصرّ التيار على «دفش» آل حواط بكل ثقلهم الكتلوي إلى حضن القوات وتيار المستقبل، لمجرد أن «ابن الحواط» خاض الانتخابات البلدية ضد التيار في مدينة جبيل، وانتصر.
قبل بضع سنوات كان العوني صلة وصل بين مجموعات كثيرة: كان يجد الكثير من القواسم المشتركة بينه وبين القوات والكتائب والوطنيين الأحرار، أما اليوم فلم يعد يعرف عن هؤلاء إلا أنهم أزلام تيار المستقبل، ولا يستطيع بالتالي مجالستهم أو البحث عن نقاط مشتركة معهم إلا بواسطة مباشرة من البطريرك الماروني. سابقاً كان العونيّ يُسرّ بالجلوس على طاولة واحدة في الجامعة الأميركية في بيروت ومحيطها مع الشيوعيّ والاشتراكي ومع سمير قصير وخالد صاغية وزياد ماجد وجهاد بزي وعمر حرقوص، أخيراً اكتشف العوني أن الشيوعي كان في الحرب اللبنانية حليف الفلسطيني، وأنه «متفلسف على الفاضي»، واكتشف أن الاشتراكي سرق أجراس الكنائس المسيحية وأن حرقوص يكتب في المستقبل. لا حاجة عونية إلى الأصدقاء أو إلى الذين يتمايزون عن التيار قليلاً. كان يفترض أن هناك شعرة معاوية تفصل التيار عن بعض حلفائه كالحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث، لكن رغبة العونيين في التطابق مع الحلفاء دفعتهم إلى ابتلاع هذه الشعرة وإلغاء أي تمايز أو خصوصية. وعبثاً يبحث من ينشد نقاشاً جدياً عن عونيّ يتقن النقاش، سيجد قبالته شخصاً موتوراً يسارع إلى رمي الاتهامات دون أن يستمع إلى محدثه أو يقرأ مقاله أو يطّلع على أفكاره.
قبل بضع سنوات، كان سيُسرّ الناشط العوني العكاري أنطوان عاصي بمصادفة شابين يسألانه عن أوضاع الجنرال، فيهرع إلى زيارتهما في منزلهما والإغداق عليهما بالأخبار، من دون أن يسأل عن انتمائهما العائلي أو طبيعة العلاقة التي يأملان أن تجمعهما بالتيار. اليوم سيتأفّف عاصي وينهي الحديث لو وصف أحد الشابين العماد عون بمفردة «عون» فقط بدل وصفه بـ«الجنرال». حساس عاصي؛ هذا الذي كان يحرث الحقل العوني في عكار بيدين صلبتين، بات يتأخر في الوصول ــــ متأنقاً بالطبع ــــ إلى سهرات التيار، ويبقى وجهه أصفر ما دام غيره يشغل موقعاً أهم منه في التيار. وعاصي هنا لا يعبّر عن شخصه، بل عن حالة. إذا لم تقل «الجنرال» للدلالة على عون في حضرة العونيين، فستتهم بأنك قواتي.
في المنطق العوني الجديد لا تجوز مساءلة العونيين عن شيء تعهّدوا به أو قالوه. لا يتعلق الأمر هنا بـ«الطريق الآخر» الانتخابي. فما بعد التفاهم مع حزب الله هو غير ما قبله كما بات معروفاً ومفهوماً. أيّ تساؤل بشأن استمرار الأمين العام لرئاسة مجلس الوزراء سهيل بوجي بواجباته يعتبره العونيون تشكيكاً مدفوع الثمن في صدقيتهم. أي تلميح إلى تقصير في إحدى وزاراتهم هو جزء من الحملة عليهم. وأي تذكير بموقف من الماضي القريب للعماد عون يتناقض مع مواقفه اليوم (قضية العميد المتقاعد فايز كرم مثلاً) هو تذاك في غير محله.