إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

البطريرك ومقاربة الثورة - نبيل بو منصف (النهار)

شكّلت مقاربة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الى الثورات العربية عموماً والثورة السورية خصوصاً والتي تتسم بالتعبير عن مخاوفه من اتجاهاتها المحتملة نقطة تباين عميقة مع فئات مسيحية واسلامية واسعة غالباً ما ظلت صامتة أو لم تفصح عنها إلا بخفر شديد مراعاة للعلاقات بين هذه الفئات وبكركي.
ومع اختياره زيارته لباريس منبراً دولياً أساسياً للجهر بهذه المخاوف من زاوية إثارة مصير الأقليات في ظلّ هذه الثورات اكتسب موقف البطريرك جديّة لم يعد ممكناً تجاوز أبعادها في قراءة انعكاسات الحدث السوري على المشهد اللبناني.
بطبيعة الحال بكركي هي بكركي، التي تشكل العمود الفقري للموقف المسيحي واللبناني الأعم، وهو الأمر الذي يوجب التعامل مع مواقف سيّدها بغير كل المعايير الرائجة في معاينة أي موقف سياسي آخر. ولكن اتباع المناورة والباطنيّة في هذا المسلك أيضاً لن يفيد لا بكركي ولا الفئات السياسية سواء كانت تؤيد وجهة نظر البطريرك أو تختلف معها. لذا يمكن استخلاص نتيجتين احداهما ايجابية والأخرى سلبية لموقف البطريرك الذي يبدو مفتوحاً على جدل أوسع في الحقبة المقبلة.
تتمثل الخلاصة الايجابية بأن البطريرك بما يمثله يساهم مساهمة فعّالة في كسر جدار الصمت السائد في لبنان حيال حدث يعني اللبنانيين أكثر من سائر العرب. فالمخاوف على الأقليات في سوريا وسواها من الدول العربية باتت مسألة جوهرية موضوعة على طاولات المجتمع الدولي، فيما لبنان الرسمي والسياسي بمعظمه يغرق في تفاهات اليوميات السلطوية والسجالية طامراً رأسه في الرمال. وإثارة هذه المسألة على يد البطريرك تثبت الدور الطليعي لبكركي في مسؤوليتها عن المسيحيين ومصيرهم في لبنان وحتى في المنطقة. أما الخلاصة السلبية فتتمثل في ترجيح مبكر لكفة المخاوف من الثورة على كفّة صفحة المتغيرات الضخمة الأخرى المحمولة في تحرّك الشعوب ولا سيما منها الشعب السوري. ذلك أن الموقع "الأقلوي" وحده لا يبرّر الحكم العاجل على الثورة من زاوية التخوف من أن تحلّ نظاماً أشدّ تعصباً من نظام ديكتاتوري قائم.
ويخشى أن يتماهى إبراز المخاوف وحدّها مع مصالح النظام ولو لم يكن ذلك مقصوداً. ثم أنه ليس في الوقائع المثبتة حتى الآن ما يبرّر على نحو كاف تعظيم هذا الخطر في حين أن هناك جانباً تاريخياً بحق يتعين تلقفه في حركة تحرّر تاريخية للشعوب الثائرة والسائرة على هدى انتفاضة استقلالية لبنانية كانت بكركي رافعتها الكبرى كما كانت دوماً رافعة كل حركة تحرّر من دون منازع. أما الخوف على المسيحيين والأقليات فهو استحقاق الثورة السورية تحديداً واختبارها الكبير في تسفيه النظرية التي تتخوف من إحلال نظام ذات طابع أصولي أو سلفي مكان النظام القائم.
وفي أي حال الأفضل للبنان أن ينخرط في جدل قلق يتعداه الى المثابرة الدولية ما دام معنياً الى هذا الحد بتدفقات حدث يطرق أبوابه ويكاد يقتحم الدار

← العودة إلى مختارات