نفط وسيادة وديموقراطية - فوّاز طرابلسي (السفير)
الذين يتحدثون عن ان حلف الناتو قد حرر ليبيا من الاستبداد يتجنون على الحقيقة مرتين. المرة الاولى، لأنهم ينسبون لدعم الطيران الاطلسي ومساعداته التقنية على الارض كل الفضل في اسقاط نظام العقيد القذافي بطمس الدور الاساسي للانتفاضة الشعبية وتجاهل تضحيات عشرات آلاف من ضحاياه، بمن فيهم من سقط جراء قصف طيران الحلف الاطلسي. ويتجنى هؤلاء على الحقيقة لمرة ثانية، عندما يتجاهلون الجواب عن السؤال: على فرض ان القذافي تغلّب على الانتفاضات وعلى الاسناد العسكري الاطلسي واحتل مناطق الثوار واخضعها بالحديد والنار زنقة زنقة بيتا بيتا دارا دارا، واعاد فرض دكتاتورية الخَبَل المتجلي بعد اربعين عاما، فهل كان علينا ان نحتقل بذلك الحدث على انه انتصار مبين على الاستعمار؟
يصعب الاعجاب والتأييد للتركيبة المرشحة للحكم في ليبيا الجديدة التي يطفو على سطحها مسؤولون كبار سابقون في نظام القذافي، ومنشقّو الساعة الاخيرة، ولممٌ من الجهاديين المترسملين على يد المخبرات الاميركية، ناهيك عن لاجئين سياسيين طال بهم المقام في اوروبا واميركا. لكن ثمة نظرة عائدة الى زمن العداء للكولونيالية لا ترى في كل تعقيدات ومستجدات الامبريالية المتعولمة والمتعسكرة الا «غربا» خارجيا يريد فرض ارادته على الداخل العربي بواسطة الوجود العسكري.
ما من شك بأن الامبريالية الاميركية المتعولمة، واوروبا المتعسكرة في الحلف الاطلسي، عادت لاستخدام التدخل والسيطرة الكولونيالية العسكرية المباشرة كإحدى وسائلها في الضبط والسيطرة وحماية المصالح. وهي مرشحة للاستمرار في هذا النهج تعويضا عن ضعفها الاقتصادي قياسا الى الاقطاب المنافسة لارتفاع المديونية وتعاقب الازمات الدورية. لكن هذا الاستخدام لاشكال كولونيالية تشكل اضافة الى الامبريالية المتعولمة يشمل الاتكال المتزايد على المؤسسات الدولية وعلى السلطات المحلية لتأمين السيطرة على الموارد والثروات الطبيعية والزراعية والمائية وسواها، وممارسة الاشكال المختلفة والمستجّدة من الاستغلال الاقتصادي وتعميم دكتاتورية الاسواق وترييع الاقتصادات وتنمية الانماط الاستهلاكية.
ويهون الامر لو ان معارضة الوجود العسكري للدول الغربية تتم على مستوى المجال العربي برمته ولا تقتصر على المطالبة العوراء السائدة حاليا، حيث تكاد تقتصر على المطالبة ـ المشروعة جدا ـ بالجلاء العسكري الاميركي و(الحليف) التام لآخر جندي وعن آخر موقع وثكنة في العراق. لكن ماذا عن القواعد التي استخدمت لقيادة عمليات غزو العراق واسناد احتلاله وهي بين المواقع التي لجأت او سوف تلجأ اليها القوات المنسحبة من العراق. عدا عن وظائفها الاخرى في ضبط امن نفط الخليج والجزيرة. وابرز هذه القواعد قاعدة العُديد الجوية في قطر وقاعدة الاسطول الاميركي الخامس في البحرين والتسهيلات الجوية للطيران الاميركي في قادة الظفرة في ابو ظبي ناهيك بسائر المطارات والتسهيلات والقواعد في بقية دول الخليج. بل ان التركيز الاحادي الجانب على الوجود العسكري في العراق وعلى التدخل العسكري لحلف شمال الاطلسي في ليبيا بات يغطي الآن على المطالبة الجادة بجلاء كل القواعد العسكرية الاجنبية عن البلاد العربية وبلدان الشرق الاوسط.
الى موضوع السيادة الوطنية، يجري الحديث عن النفط كأن الدول العربية تسيطر على نفطها وان «المشروع الاميركي » يروم انتزاع تلك الثروات الطبيعية والموارد والفوائد التي تتأتى منها. في حالة ليبيا، «الغرب» متهم بالبحث عن مصالحه. يصعب تصوّر ما هو الشيء الآخر الذي يراد للـ«غرب» ان يبحث عنه: مصالح الشعوب العربية مثلا؟ و«الغرب» متهم بأنه يريد «السيطرة» على النفط الليبي. و«الغرب» متهم بأنه يتسابق من اجل نيل اكبر حصة من عقود التنقيب عن النفط الليبي. ما لنا وللنفاق الديموقراطي العربي او التظلم والتباكي العربي على المبادئ الغربية التي تبددها المصالح. الغرب يفصّل مبادئ سياساته الخارجية على مقاس مصالحه الاقتصادية (الاسواق والنفط) والجيواستراتيجية (امن النفط وامن اسرائيل) ولا نقول «المبادئ» إجمالا حتى لا نضفي عليها قيمة اخلاقية ليست لها. وفي اساس دعم الدول الغربية للانظمة الاستبدادية، السلالية منها والجمهورية، هذا المزيج من الحكم الفردي ـ الذي يملك الزام بلاده بستين مليار دولار لشراء الطائرات الاميركية بجرّة قلم ـ والدور الرئيسي للجيش والاجهزة الامنية في ضبط الحدود وضبط الامن السياسي والاجتماعي الداخلي.
لمزيد من الوضوح، لا بد من القول ان للدول الغربية مصالح اكيدة بالنسبة للنفط الليبي وقد شكلت هذه المصالح السبب الاول من ثلاثة اسباب رئيسة للتدخل العسكري الى جانب الثوار. اما السبب الثاني فهو الظهور بمظهر الداعم لتطلعات الشعوب العربية في الديموقراطية بعد عقود من دعم انظمة الاستبداد. والسبب الثالث هو ضمان السيطرة على عملية الانتقال السياسية والاقتصادية وعلى المعارضة نفسها إن لم يكن ان قسما كبيرا منها هو تحت السيطرة اصلا.
لا يحتاج المرء لأن يكون خبيرا اقتصاديا كي يقسّم موضوع النفط المعقّد الى دوائره الثلاث الرئيسة:
÷ اولا، الدول الاوروبية المستهلكة للنفط معنية بضمان وصول النفط الليبي اليها بميزاته العديدة من حيث النوعية والسعر وانخفاض أكلاف التكرير والنقل. ذلك ان ايطاليا وفرنسا معا تستوردان اكثر من ثلث الانتاج الليبي من النفط.
÷ ثانيا، للدول الاوروبية والاميركية وشركات النفط والغاز التابعة لها مصالح اكيدة في نيل اكبر حصة من امتيازات النفط والغاز الليبية. لكن «يصدف» ان نظام العقيد القذافي قد منح بعد العام ٢٠٠٤ النسبة الاكبر من عقود النفط والغاز للشركات الاوروبية: «بي.بي» البريطانية و«توتال» الفرنسية و«إيني» الايطالية، اضافة الى شركتين اميركيتين ظلتا عاملتين خلال فترة المقاطعة هما «كونوكو ـ فيليبس» و«هس اند ماراثون». وقد وعد «المجلس الوطني الانتقالي» بالالتزام بتلك العقود. وهذا يضيء بضوء آخر الخبطة الاعلامية التي تناقلتها بعض وسائل الاعلام عن وعد قدمته جبهة ليبية معارضة بتخصيص فرنسا بـ ٣٥٪ من النفط الليبي في مقابل دعمها للثوار. ليس يحتاج الامر لجميل الثوار ما دام العقيد نفسه قد منح مثل تلك الحصة لفرنسا الشيراكية ـ الساركوزية.
÷ ثالثا، الدائرة الاثمن والاهم هي طبعا كيفية التصرّف بعائدات النفط والغاز وامكنة ايداعها ومجالات استثمارها وطرائق توزيعها داخليا. خضعت هذه الاموال ـ التي لا تزال ارقامها التي تقدر بعشرات بل مئات الميليارات في عالم الاسرار ـ لسيطرة العائلة القذافية المالكة وما نجم عن ذلك من هدر ونهب وانتفاع. الا ان المؤكد في امرها ان كلها، او جلّها، موظفة في الغرب، وان الشعب الليبي لم يكن له قول فيها.
هذه هي المصالح الغربية. لنتحدث في المصالح العربية.
لعل المشغولين بواجب سيطرة الشعوب العربية على ثرواتها الطبيعية، والتحكّم بعائدات تلك الثروات، يتساعدون في الجواب عما هو الاضمن للمصالح العربية، والليبية هنا تخصيصا: ان يقرر مصير النفط فردٌ او اسرة مالكة تشكل عائدات النفط والغاز «بيت المال» الخاص، ام ان تتولى القرار مؤسسات منتخبة وآليات مراقبة وتدقيق ومحاسبة يشكل تعددها وتنوع، بل تضارب المصالح التي تمثلها المناخ الملائم لصدور تشريعات وقرارات اوسع احاطة باقتصادات النفط العالمية واصدق تمثيلا للمصالح الوطنية واوفر تلبية للحاجات والتطلعات الشعبية؟
فهل سوف يسهم النفط الليبي في تعزيز الديموقراطية ام سوف يشكل القاعدة الريعية المادية لقيام ردّة استبدادية من نمط جديد، تدعمها الانظمة النفطية الاستبدادية الساعية للهيمنة على قرارات الثوار وسلوكهم ومواقفهم؟ وهل يتجه التحوّل الديموقراطي وجهة السيطرة على الثروة والموارد الطبيعية وتسخيرها لتنمية توفر فرض العمل والامل للشباب ولتوزيع اجتماعي عادل يحقق الرفاه ويعزز الوحدة الوطنية؛ ام يصير مصدرا للتنافس والنزاع على المحاصصة القَبَلية والمناطقية لاقتصاديات النفط والغاز؟