إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

تحول استراتيجي عربي وجدل سياسي لبناني - رفيق خوري (الانوار)

 

 
أخطر ما حدث في المنطقة هو ما لم يحدث: مشكلة الأقليات التي سميت في القرن التاسع عشر (المسألة الشرقية) لا تزال مشكلة أكبر في القرن الحادي والعشرين. لا بل أضيفت اليها مشكلة الأكثرية في ظل الانتداب ثم في ظل الأنظمة الاستبدادية التي انقلبت على بدايات الأنظمة الديمقراطية في سنوات الاستقلال الأولى. فالحلول الحقيقية للمسألة الشرقية بقيت غائبة بمقدار ما زادت الهواجس. وفكر (المسألة الشرقية) بقي حياً في الواقع الجديد، سواء تحت عنوان (تحالف الأقليات) أو تحت عنوان التفتيت والتقسيم أو بفعل العجز المزدوج للبلدان العربية عن بناء دول وطنية على أساس المواطنة والديمقراطية وللحركات القومية من انجاز الوحدة العربية.
حتى الحل شبه الوحيد الذي تجسد على الأرض بقيام لبنان الكبير في أعقاب الحرب العالمية الأولى وما أحدثته من تبدل في موازين القوى والحسابات الاستراتيجية للكبار، فإنه واجه رفضاً في مناخ الأكثرية التي كان طموحها تحقيق مشروع الدولة العربية الكبرى في ظل وعود تنكر لها الغرب المنتصر في الحرب.

وليس الجدل الدائر حول كلام البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في باريس سوى استمرار لما رافق فكر (المسألة الشرقية) خلال القرنين التاسع عشر والعشرين ومطالع القرن الحادي والعشرين. فلا ما سمي (التحول الاستراتيجي) في موقف بكركي على لسان سيدها الجديد معزول عن النظرة السياسية الى الأحداث في لحظة تحول لا يزال أسير الغموض. ولا مواقف المؤيدين للكلام والمعترضين عليه مرتبطة بالرؤى الاستراتيجية أكثر مما هي معبّرة عن مواقف سياسية لها اعتباراتها في صراعات داخل لبنان متصلة بالصراعات في المنطقة وعليها، وبالآمال والهواجس حيال الانتفاضات الدائرة في العالم العربي وتأثيرها على مصير الأكثرية والأقليات.
ومن الطبيعي حدوث ذلك، بصرف النظر عن الترجمة العملية للمواقف وتأثيرها على مستقبل الوجود المسيحي وعن القدرة على التوفيق بينها في النهاية أو عن صعوبة التوفيق. لكن من غير الطبيعي أن ننساق وراء الافتراضات بالنسبة الى أحداث متحركة تشكل تطوراً نوعياً في حياة العرب بعد عقود من الجمود. فالكل يعرف أو يجب أن يعرف القراءة الموضوعية العميقة في الموجة الشعبية العربية الجديدة التي ترفع شعار الحرية والكرامة والدولة المدنية الديمقراطية. والمعادلة واضحة، وإن رأى البعض فرصة ورأى البعض الآخر خطراً فيها: لا شيء يحمي المسيحيين في الشرق سوى اندماجهم في النسيج الوطني العربي وتمسكهم بفكر النهضة. ولا شيء يضمن وجودهم ودورهم وازدهارهم سوى توجه العالم العربي نحو اقامة الدول المدنية الديمقراطية القائمة على المواطنة والرافضة للتطرف الأصولي.

 

← العودة إلى مختارات