ألا يوجد بيننا "آنا هازاري" واحد؟ - مازن حايك (النهار)
"إنها نهاية الإضراب، لكنها ليست آخر المعركة"، قالها "آنا هازاري" الناشط الهندي لمكافحة الفساد، البالغ من العمر 74 عاماً، مُنهياً إضرابه عن الطعام بعد 13 يوماً على بدئه، ومضيفاً: "أحلُف وأتعهد بأنني لن اقبض رشوة من أحد يوماً، ولن أعطيها لأحد بتاتاً." تجسدت حملة آنا في المطالبة بسحب مشروع "قانون مكافحة الفساد" من البرلمان الهندي، وتبني صيغة أكثر تشدّداً لاستحداث منصب "وسيط الجمهورية"، وتوسيع صلاحياته ليتمكن من مراقبة السياسيين والموظفين، من رئيس الحكومة وصولاً إلى أصغر موظف في قرية نائية. كما هدفت الحملة إلى صياغة "شرعة المواطن" للحقوق والواجبات، ونجحت في إرباك حكومة يسار الوسط، والحصول على التنازلات المطلوبة من النواب.
بلمح البصر، تحوّل آنا إلى "مُلهِم الأمة"، ورمزاً جديداً لمكافحة الفساد والتغيير السلمي "من تحت"، ومثالاً لقدرة الشعوب في أن تكون فعلاً مصدر السلطات، والقوة الدافعة وراء المساءلة، والمحاسبة، والمساواة أمام القانون، والمواطَنة. لم يكن آنا يعمل وحده بل، عاونه في حملته خمسة أشخاص، من أصل 1,2 مليار مواطن هندي (!)... لكن العبرة لا تكمُن في عدد النشطاء أو في سيَرهم الذاتية بل، في أن الحملة وجدت لنفسها بيئة حاضنة في صفوف المواطنين الغاضبين، الذين يرفضون هذه الآفة التي تُفسد المجتمع، وتقضي على الدولة، وتزعزع عملية إعادة توزيع الثروات، في وقت يدفعون فيه الضرائب والرسوم كي تكون الدولة "دولة"، لا "مزرعة" ولا. "بقرة حلوباً"... حتى في بلاد يعتبر فيها ملايين "الهندوس" البقرة "مقدّسة"!.
"يتوقف المستقبل على ما نقوم به حاضراً"، قالها المهاتما غاندي، وسمعها الشعب الهندي ومعه شعوب العالم المؤمنة بالديموقراطية والإصلاح والمحاسبة والمساواة، كسُبل ناجعة لبناء الدولة، ورفعة الوطن والمواطن. فهل توجد لدينا النيّة الفعلية والقدرة الحقيقية لبناء المستقبل، بدءاً بمحاسبة الحكّام والموظفين الفاسدين، ومعهم الخارجين عن الشرعية والقانون؟ وهل إن غياب الدولة ومؤسساتها وأجهزتها، وضُعف القضاء، وترهّل النقابات، وانحسار "ثقافة العمل" والإنتاج، هي "فقط" بسبب الطائفية أو وجود منافسين محلّيين وإقليميين للدولة، أم أيضاً، وخاصةً، بسبب غياب "ثقافة المحاسبة" لدى اللبناني، حاكماً ومحكوماً، وانتشار تعاليم "الغاية تُبرِّر الوسيلة"، والإفساد واستغلال النفوذ والإثراء غير المشروع؟!
في النهاية، لا مفرّ من مكافحة الفساد وتحفيز المواطن باتجاه "الحكم الصالح"، و"الحوكمة"، والمساءلة، والمحاسبة، والجدارة، والاستحقاق. أفلا يوجد بيننا آنا هازاري واحد، مثالي وجريء وملتزم، ليقول: "أنا آنا"... فنرد عليه: "كلنا آنا"؟!