إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

سبعة مليارات؟ - ساطع نور الدين (السفير)

لن يكون العدد دقيقا، لانه لم يحسب بطريقة علمية، ولا حتى بطريقة تقديرية، ولأن واضعيه لم يأخذوا في الاعتبار انه لن يكون له وقع مؤثر في أمة لا تزال تحصي أرقام قتلاها أكثر مما تسجل نسب مواليدها.. برغم أن عدد أفرادها يقترب بسرعة من نصف مليار نسمة، يعيش معظمهم في ظل حروب وصراعات وأزمات موروثة منذ القرن الماضي الذي طوته بقية شعوب العالم وشطبت جميع ذكرياته المؤلمة.
الهدف من إطلاق رقم المليارات السبعة اليوم تحذيري: زاد عدد البشر عن قدرة كوكب الارض على الاستيعاب. المعادلة صحيحة، لكنها لن تكون صائبة بعد نصف قرن أو بعد قرن. فالرقم مرشح للتراجع بمعدلات سريعة، والظاهرة المسجلة في بلدان مثل اليابان وروسيا وعدد من دول اوروبا الغربية، ستشمل الصين والهند اللتين تضعان لوحدهما على سطح الكرة الارضية ما يعادل ثلاثة مليارات إنسان، وستصبح ظاهرة عالمية نتيجة التطور الطبيعي للبشر وعلومهم وثقافاتهم وزراعاتهم.
لن يكون العرب استثناء لهذه القاعدة. وقد يكون رقم النصف مليار عربي هو ذروة الانجاب الذي سيشهد انحدارا تدريجيا اعتبارا من أواسط القرن الحالي.. مع العلم ان هذا التقدير لا يأخذ في الاعتبار ان ثمة عوامل عديدة يمكن ان تكون حاسمة في حساب معدلات النمو السكاني العربي، أهمها نظرية العالم البريطاني الشهير روبرت مالتوس الذي برر ضمنا الحروب بين شعوب تتنافس على الرزق القليل، ووفر غطاء نظريا لعمليات الابادة الجماعية.. برغم ان ما تعرض له العرب عل مدى القرون الماضية كان في بعض الاحيان إلهيا ولم يكن مبنيا على معطيات او حوافز اقتصادية.
يمكن ان يتناقص عدد العرب بأسرع مما هو مرتقب. وأي إحصاء لعدد قتلاهم منذ مطلع القرن وحتى اليوم، يثبت جانبا من نظرية مالتوس، ويؤكد ان عمل الطبيعة كان محدودا جدا بالمقارنة مع تدخل اميركا وحلف شمالي الاطلسي، كما كان هامشيا بالمقارنة مع ما فعله عدد من الطغاة العرب بشعوبهم التي انخفضت ولا تزال تنخفض أعدادها هذه الايام بمعدلات قياسية غير مألوفة في أي مكان آخر من العالم.
والمفارقة أن هذه الخسائر البشرية العربية سقطت ولا تزال تسقط في الوقت الذي ترتفع فيه مكانة العرب بين أمم العالم وشعوبه وصاروا مثالا يحتذى حتى من قبل أرقى الدول واكثرها تحضرا. هي بلا شك ضريبة الثورة وقسيمة الحضارة، التي خفضت عدد الليبيين نحو خمسين الف نسمة خلال ستة اشهر، كما خفضت عدد السوريين نحو خمسة آلاف نسمة خلال ستة اشهر، كما خفضت عدد اليمنيين بأرقام لم يعد احد يسجلها او يحفظها. والارقام العراقية واللبنانية والسودانية المسجلة في السنوات العشر الاخيرة وحدها لم تكن طبيعية ايضا.. عدا عن الرقم الفلسطيني الذي يحتل مكانة خاصة على هذا السجل العربي الدامي.
سبعة مليارات؟ السؤال لا يدور حول الجهد الطبيعي الذي بذل من أجل بلوغ هذا الرقم، بل حول الجهود اللاانسانية التي تبذل من اجل خفضه.

← العودة إلى مختارات