إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

استراتيجيا واحدة... وسياسات وأدوات ضعيفة! - سركيس نعوم (النهار)

لا يختلف اثنان من اللبنانيين، الذين عرفوا الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد وتعاملوا معه انطلاقاً من مواقعهم السياسية او الرسمية، على ان وارثه في الحكم والسلطة نجله  بشار الاسد يطبق الاستراتيجيا الاساسية التي وضعها والده اولاً لاستمرار النظام الذي اسسه. وثانياً، لدوره في المنطقة العربية. وثالثاً، لدوره في لبنان والاردن والموضوع الفلسطيني، اي في المثلث الذي يشكل غالبية ما كان يُعرف تاريخياً بسوريا الكبرى التي طمح الاسد الأب الى احيائها بعدما تعذر عليه تنفيذ ابرز شعار لحزبه "البعث" وهو الوحدة العربية. ويتفق الاثنان في الوقت نفسه على ان الاختلاف بين النتائج التي حققها الاسد الأب على مدى 30 سنة من حكمه المباشر لسوريا، وبين النتائج التي حققها وارثه وابنه خلال نحو 11 سنة من ممارسة السلطة الاولى، كانت له اسباب عدة. منها الاختلاف بين السياسات التطبيقية لاستراتيجيا الأب والمؤسس وتلك التي وضعها الاسد الابن او تبناها، والتي تعاملت مع القضايا المتفجرة والتراكمات الداخلية والخارجية والمساوئ والثغرات والمثالب بكثير من قلة الاحتراف والمهارة. ومن الاسباب ايضاً اختلاف الظروف الاقليمية والدولية عن تلك التي كانت سائدة ايام الاسد الاب. علماً ان لا احد يستطيع ان يزعم ان الشرق الاوسط، وعلى رغم دخوله مرحلة الهزّات منذ احتلال اميركا افغانستان ثم العراق وبرغم تصاعد التحديات، لم تكن التطورات فيه مؤاتية للاسد الابن، وخصوصاً بعد النجاحات التي حققها بواسطة حلفائه سواء في لبنان او في ايران. ولعل الفرق بين امس الاسد الأب ويوم الاسد الابن هو ان الحكمة طبعت تصرفات الأول مع الكبار او الصغار في المنطقة والعالم والبراغماتية والتزام الكلمة والشجاعة، وهو غياب التهور عن حساباته وقراراته، وابتعاده عن الانقياد الى سياسات او استراتيجيات فيها الكثير من المغامرة وقابلة بسبب ذلك للانعكاس سلباً عليه وعلى نظامه وعلى بلاده. وقد ترجم قريبون جداً منه في ذلك الحين موقفه هذا بالجملة الآتية: يمارس حافظ الاسد وعمداً سياسة حافة الهاوية، ولكن بعد ان يكون حضّر نفسه لتلافي السقوط فيها في حال لم تصح حساباته او طرأ ما يجعلها غير ذات موضوع. وترجموه أيضاً بجملة اخرى هي "انه كان اختصاصياً في دوْس (دعس) الخط الاحمر وفي تجنب تجاوزه".
طبعاً لسنا الآن في معرض اجراء مقارنة تقويمية بين مسيرة الاسد المؤسس والاسد الوارث، ولا في صدد استغلالها للتهجم على الثاني. علماً اننا من الذين اكتشفوا باكراً خطر استراتيجيا المؤسس المستمر تطبيقها ولكن بطريقة خاطئة على لبنان وغيره. لكننا في معرض الاشارة، وعلى لسان حلفاء "سابقين" لنظام الاسد منذ انطلاقه، الى ان ما يعانيه الاسد الابن منذ ثمانية اشهر يعود، إضافة الى الاسباب المشار اليها اعلاه، الى سبب مباشر ومهم هو فشل الادوات التي حكم بها الاسد الابن، والتي لا يزال يحاول بواسطتها اخضاع الثائرين عليه، والمحافظة على نظامه حاكماً لسوريا. وأبرز هذه الادوات اثنتان:
الاولى، الاجهزة الامنية التي يدينها بالتقصير ما توجهه من اتهامات الى دول مجاورة وغير مجاورة بتهريب اسلحة الى سوريا ومخربين وما الى ذلك. إذ اين كانت عندما حصل ذلك؟ لماذا لم ترَه ولم تكشفه ولم تمنعه؟ وبماذا كانت "ملهية"؟ وهل كانت تحصي انفاس الناس فقط؟ ام هل كانت تعتقد ان اطلاق العنان لـ"الممانعة" و"المقاومة" ولـ"الدعوات الاسلامية" وإن ايرانية والتغاضي عن انتشار الفكر والممارسة الاسلاميين وربما السلفيين في سوريا، وتبني شعار تحدي فلسطين ومواجهة اميركا واسرائيل سيجعل الناس يحبونها ونظامها وينسون مظالم اساسية قديمة وجديدة اقتصادية وسياسية وفئوية واجتماعية وما الى ذلك؟ اما الاداة الثانية فسياسية وهي حزب البعث. فهذا الحزب الذي اسسه سوريون، وحكم سوريا عقوداً، وكان له جمهور واسع فيها وفي دول عربية عدة. وشكّل في مرحلة معينة املاً للجماهير العربية. لكنه وبعد حكم الفئات والعصبيات والعسكر باسمه فقد دوره وترهل وصار غطاء للنظام بل صار يستمد قوته منه ومن سيِّده، في حين انه كان هو مصدر قوة النظام وشرعيته.
هل يرمي هذا الكلام الى نعي نظام آل الاسد في سوريا؟
كلا. فالهدف منه هو الاضاءة على امور عدة يتجاهلها القادة والمسؤولون في سوريا عادة، سواء اذا كانوا "رفقانين" أو "مزروكين"، ودعوتهم اذا لم يكن فات الوقت لأخذ العبرة وللتصحيح ليس مع الداخل السوري فحسب، بل مع لبنان ايضاً وربما دول عربية اخرى.
 

← العودة إلى مختارات