إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

ثورة خليجية نجحت - ساطع نور الدين (السفير)

زعيم عربي جديد سقط. اقتلع مثل ورم خبيث كان ينخر في جسد شعبه. احتاج الأمر الى عملية جراحية طويلة ومؤلمة، استدعت تدخل اختصاصيين من مختلف أنحاء العالم. وتكللت الجراحة بالنجاح الذي يضمن الأمل بأن اليمن سيخرج من العناية الفائقة الى فترة نقاهة.. لن تكون خالية من الآلام.
أخيرا وقع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح على وثيقة خروجه الآمن من السلطة ومن اليمن، إلى أميركا لمتابعة العلاج من محاولة الاغتيال التي تعرض لها في حزيران الماضي ويبدو انها كانت حاسمة في دفعه الى اتخاذ القرار بالتنحي بعد طول تردد ومقاومة، وفي تجنيب شعبه المزيد من الدماء والدمار.
لولا الحاجة الى المزيد من العناية الطبية في الخارج لما كان صالح قد فكر في التخلي عن السلطة: هي من علامات النهاية السعيدة للثورة اليمنية، لكنها ليست ضمانة كافية من أن الرجل الذي ابتسم بسخرية لدى توقيع المبادرة الخليجية على مرأى ومسمع الشاهد السعودي وبقية الشهود الخليجيين والأجانب، لن يحاول مرة اخرى العودة الى السلطة ولو على بحر من الجثث اليمنية.
ما زال الحذر واجبا. ما قاله صالح قبل ايام فقط من التوقيع كان مثيرا للقلق: في اللحظة الاخيرة اقترح تسليم السلطة الى الجيش، لنجله وقائد حرسه الجمهوري أحمد وبقية الأشقاء والحلفاء الأقوياء. ثم طلب تعهدات بأن يبقى هؤلاء في مواقعهم العسكرية، بناء على الحاجة المزعومة لمحاربة تنظيم القاعدة وخلاياه النشطة في اليمن. والمرجح ان اميركا استجابت لبعض مطالبه ووفرت له المخرج اللائق الى احد مستشفياتها.
كان سقوط صالح في اليمن فريدا من نوعه. لا يشبه سقوط التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك والليبي معمر القذافي، وهو لا يقدم مثالا لآخرين ينتظرون دورهم. لكل حالة عربية خصوصيتها. ولكل ثورة عربية تجربتها. ما حققه اليمنيون هو أشبه بمعجزة: إطاحة نظام عسكري قوي من دون التسبب بحرب أهلية في بلد يبلغ عدد الاسلحة الفردية فيه ثلاثة أضعاف عدد السكان، الذين غادروا للمرة الاولى ولاءاتهم القبلية وتمسكوا بالطابع السلمي لثورتهم وشقوا طوال الأشهر العشرة الماضية طريق الانتقال الى اول دولة يمنية طبيعية تحتكم الى دستور وقوانين ومؤسسات.. لا الى أعراف وتقاليد من القرون الوسطى.
كان هذا الإنجاز اليمني هو القاسم المشترك الوحيد ربما بين جميع الثورات العربية التي قدمت للعالم شعوبا عربية نابضة بالحياة، أرقى من حكامها وأكثر منهم استعدادا لحفظ وحدة مجتمعاتها وحماية دولها وتطويرها وتحديثها. كان هذا هو الاكتشاف الأهم في تونس ومصر وليبيا وفي كل بلد عربي يشهد اليوم ثورة شعبية على طاغية يقودها جيل شاب يتمتع بمستويات سياسية وثقافية عالمية.
ليس من السهل التكهن في الشكل الذي ستتخذه الدولة اليمنية في مرحلة ما بعد صالح. لكنها بالتأكيد افضل من الفضيحة التي حكمت اليمنيين طوال العقود الاربعة الماضية.. وأقـدر على التأثير في بقية شعوب الخليج العربي من أي ثورة عربية انتصرت او توشك على الانتصار.

 
 

← العودة إلى مختارات