إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

فرصة إجماع - ساطع نور الدين (السفير)

الانتهازية اللبنانية التقليدية تسمح بالاستنتاج أن العقوبات الاقتصادية العربية على سوريا فرصة سياسية للبنان، الذي قام ودام وازدهر على فشل التجربة السياسية السورية، قبل ان يجنّ اهله ويهلكوا في حرب اهلية استدعت تدخلاً سورياً، اسهم في تغيير جوهر العلاقات الثنائية بين البلدين والشعبين، وانتهى الى كارثة.
كان يمكن بل كان يجب أن يكتفي العرب بالعقوبات السياسية على النظام السوري من دون العقوبات الاقتصادية التي هي في التعريف وفي التجربة أسوأ خيار ممكن لاستهداف اي نظام. والامثلة لا تعد ولا تحصى عن انظمة صمدت واستمدت شرعية اضافية لانها عوقبت من الخارج، وعن شعوب دفعت الثمن وحدها وتعرضت لعقاب داخلي وخارجي مزدوج. والشعب السوري لن يكون استثناء لهذه القاعدة الذهبية.. حتى ولو كان الاعتقاد ان الازمة السورية باتت مسألة اسابيع لا أشهر.
ما يخفف من وطأة هذه العقوبات ان دول الجوار السوري العربية الثلاث قررت تجاهلها وعدم الالتزام بها. وهو قرار يعني الكثير بالنسبة الى الاردن والعراق، لكنه يعني أكثر بالنسبة الى لبنان الأقرب الى سوريا والى عاصمتها والأوثق الى تجارتها الخارجية، ومعظم قطاعات اقتصادها لا سيما القطاع المالي. لا سيما ان العرب سيبدون بلا شك تسامحاً مع لبنان لجهة عدم قدرته ( قبل رغبته) في عدم احترام العقوبات على سوريا، كما فعل المجتمع الدولي الذي تشدّد فقط في قضية تحويل اموال تابعة للنظام وكبار مسؤوليه، وهي في الاصل اموال توجّهت الى بلدان ومصارف بعيدة!
المكاسب الاقتصادية التي حققها لبنان حتى الآن من الازمة السورية كبيرة، وهي لا تقتصر على تهريب السلاح الذي تشهد تجارته العابرة للحدود بين البلدين ازدهاراً لم يسبق له مثيل منذ الحرب الاهلية، عندما كان التهريب في الاتجاه المعاكس. وهي مكاسب موقتة طبعا، لان هروب الاموال واصحابها والسلع ومنتجيها الى السوق اللبنانية، لن يستمر يوماً واحداً بعد تغيير وتحرير النظام السياسي والاقتصادي في سوريا، ولن يُسفر عن هجرة دائمة على غرار ما جرى بعيد الاستقلال عندما اعتمد لبنان الاقتصاد الحر وتعمّدت سوريا تدمير اقتصادها.
الفرصة الاقتصادية عابرة وموسمية، أما الفرصة السياسية للبنان فهي أبعد مدى، ويمكن ان تفسح المجال لنظرة مختلفة على الازمة السورية وقراءاتها اللبنانية المتنافرة. من المستحيل الآن الزعم بأن لبنان يمكن ان يكون ارض لقاء سوري بين موالي النظام ومعارضيه، فهذا الاحتمال غير وارد أصلاً بين اللبنانيين الذين ينقسمون بين المعسكرين المتصارعين. لكنه ليس من الصعب أبداً الشروع في حوار (وطني) لبناني حول الازمة السورية التي تدفعها العقوبات العربية نحو فصولها الختامية.. بناء على فرضية الإجماع اللبناني على حماية الشعب السوري من الخطر الاقتصادي والمعيشي الداهم والذي يمكن أن يقوّض استقرار لبنان اكثر من اي اشتباك اهلي محتمل لحظة التغيير في دمشق.. وبناء على نظرية لا تزال خيالية الآن، مفادها انه لن يكون هناك منتصر او منهزم لبناني من الخاتمة السورية السعيدة، بل سيكون الجميع رابحين من تلك الصحوة المنتظرة، في البلدين معاً، منذ خمسينيات القرن الماضي.

← العودة إلى مختارات