"شرف" الاستقالة لن يُعطى لميقاتي؟ - سركيس نعوم (النهار)
لا تبدو اوساط سياسية لبنانية على صلة جزئية بـ"حزب الله" وأوساط ديبلوماسية أجنبية مطلعة، مقتنعة بأن "الحزب" سيذهب في رفض تمويل "المحكمة الخاصة بلبنان" الى الآخر، وبأن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي سيقدم استقالتها في حال تبنت الغالبية في مجلس الوزراء، موقف "الحزب" من التمويل الموضوع المهم. وما يدفعها الى هذا الاقتناع معلومات تفيد بأن الرفض الحكومي للتمويل من دون تصويت مجلس الوزراء، سيدفع الجميع الى احالة الموضوع الى مجلس النواب حيث يكون رئيسه نبيه بري قد رتّب المخرج الملائم للتمويل، بموافقة حليفيه "حزب الله" وسوريا.
هل من صحة لوجود سيناريو متفق عليه؟ وهل يكون مجلس النواب المخرج من مأزق التمويل لـ"المحكمة"؟ يؤكد العارفون القريبون من "الحزب" عدم وجود سيناريو كالمشار اليه. ويشددون على ان الرئيس ميقاتي "نشَّز" وخرج عن الإطار العام للسيمفونية الحكومية التي وضعها الحزب والنظام السوري. و"نشز" ايضاً عندما هدد باستقالة حكومته في حال رفضها تمويل "المحكمة"، ذلك ان الذين "رأّسوه" عليها هم الذين يمتلكون "شرف" استقالة الحكومة أو اقالتها او ابقائها. و"نشَّز" ثالثاً عندما اعتبر ان الثوابت السنية هي الثوابت الوطنية مثيراً بذلك الخوف من تحوله طرفاً في الاصطفاف المذهبي ومن اعتبار ثوابت الطوائف والمذاهب الاخرى غير وطنية. و"نشَّز" رابعاً عندما اعتبر ان مَن لا يمول "المحكمة" ليس وطنياً، وان عدم التمويل يخدم اسرائيل ويؤذي لبنان و"المقاومة"، المتهم اربعة من عناصرها بالاشتراك في اغتيال الحريري، واذا كانت "التنشيزات" الثلاثة الأولى ازعجت قادة "الحزب" فإن "النشاز" الرابع "أشعلهم".
انطلاقاً من ذلك وتأكيداً لعدم وجود سيناريو مسبق، يقول العارفون انفسهم، بدأ "عقاب" ميقاتي الذي أثار "الموقف هذا النهار" يوم السبت الماضي احتمال ممارسته عليه. فتكتل "التغيير والاصلاح" قاطع الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء. وهو وآخرون قد يقاطعون كل جلساته أو التي منها ستخصص للتمويل. والعقاب قد يتصاعد بإقدام ثلث الوزراء زائد واحد على الاستقالة، إلا إذا تم الاتفاق على احالة "مشكلة" التمويل على مجلس النواب للبحث فيها.
طبعاً، يتفهم البعض ربما في الموالاة "المعارضة" لرئيس الحكومة "حشرة ميقاتي" وخصوصاً في ضوء التحضيرات الواسعة لمهرجان "المستقبل" في طرابلس. لكنهم يعتبرون ان طريقته في المعالجة كانت خاطئة. فالانسجام مع مطالب منظمي المهرجان يقضي عليه سياسياً ولن ينجيه "شعبيا". واستقالة حكومته لن تجعله زعيم السنة أو الاول بينهم. ولذلك كان الاجدر به التفاهم على المخارج الممكنة مع حلفائه، وعدم المناورة عليهم وعلى غيرهم. في أي حال تفيد معلومات العارفين ان ميقاتي يتعرض حالياً لضغوط من جبهتين متناقضتين. الأولى، جبهة "حزب الله" وحلفائه داخلياً وخارجياً. وهي تضغط عليه لعدم الاستقالة والاستمرار في التزام تعهداته حيالها قبل تكليفه رئاسة الحكومة. والثانية، جبهة "الغرب". وهو يعتبر ان غالبية المؤسسات في لبنان ليست معه أو صارت ضده. ولم يبق له سوى خيط رفيع يمثله ميقاتي. وهو لا يريد ان يفقده. وهذا الغرب يعتبر ان اندلاع أزمة كبرى ومع تداعيات امنية يشتت تركيزه والمجتمع الدولي على الأزمة السورية. وهو لا يريد ذلك لأن القضية الاهم اليوم عنده هي سوريا وطريقة الخلاص من نظامها. لذلك فانه يتمسك بالتمويل، لكنه قد يرضى بصيغ يقدمها لبنان لتجنب ازمة واسعة، شرط ان لا يندرج مضمونها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وهذه الأمور كانت موضع بحث اخيراً من جهات ديبلوماسية غربية. فضلاً عن ان نصيحة فرنسا لـ"المستقبل" اخيراً قد تكون الاستمرار في المواقف ولكن بهدوء.
كيف سيتعاطى مجلس النواب مع التمويل اذا احيل اليه "رسمياً"؟
لا يزال هذا الموضوع قيد البحث مع رئيسه نبيه بري والآخرين. وهذا دليل على ان لا سيناريو موضوع مسبقا. ومن الاقتراحات الموجودة على الطاولة واحد يقول باقرار التمويل مع تحفظات من ضمن القانون تشير الى عدم دستورية "البروتوكول" وميثاقيته أي تبقي هذا الموضوع حيّاً لتناوله بعد اشهر. وآخر يقول بوضعها في الاسباب الموجبة لقانون التمويل بعد الاتفاق على صيغتها.
في اختصار يعتبر "الحزب"، استناداً الى العارفين، ان المصير السياسي لميقاتي في يده. فاستقالة "البطل" التي يسعى اليها قد تكلفه في السياسة الكثير، وقد تجعله أسيراً في فترة تصريف الاعمال. والاستقالة المفروضة عليه باستقالة الثلث زائد واحداً تبقيه شريكاً ولكن "مضارباً" كما يقال، فماذا سيختار؟