إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

طريق النبعة - ساحل علما - سمير عطالله (النهار)

"علّمني أبي – بالتبنّي – أن احترم مشاعر الآخرين وألغي أيَّ أثر للفجاجة في كلامي وأن أقابل العالم أجمع بوجه باش جداً".
ماركوس اوريليوس في "تأمّلات"

بعضنا يرفض أن يقبل، وبعضنا يرفض أن يصدّق، وبعضنا لا يقدر أن يستوعب ما يراه كل يوم: ثمة مرحلة انطوت. المألوف لم يعد مألوفاً، والرمال التي لم تكن تحرّكها الريح، صارت تحرّكها الأنفاس. المستحيلات السابقة صارت ألاعيب في الشوارع والساحات.
معمّر القذافي أغتُصب، في انتقام متوحّش، وتهاوت جماهيريته كالحصى. سيف الإسلام القذافي قطعت أصابع يده التي طالما هدّد بها المعارضين، ولن يلقى محاكمة مقبولة كما قالت الحكومة الجديدة. لأن العالم العربي والقانون لا يجتمعان، لأن الجروح التي تركها النظام العربي طوال نصف قرن حولتنا مجموعات متجلدة، انتقامية، او متربصة. لأن لا صفح في العالم العربي، الانتقام سوف يكون بربريا.
معمر القذافي كان نموذجا. ابناه كانا نموذجا آخر. المرحلة الماضية تُقتلع بالأظافر والقضبان الحديد، الضحية تقتدي بالجزار، وتذهب أبعد منه في فرض قانونها. الوحش لا يخرج من الناس بالتعاويذ والاستعانة بالجن شمشريش. الوحش لا يضبطه سوى القانون ولا تروضه سوى العدالة.
آسفنا أن يقول البطرك الراعي في رثاء ميريام اشقر، إنه لا يجوز ان يكون حراس الاديرة والكنائس من غير المسيحيين. قتلة النبعة، الذين اختُصوا بذبح الفقراء، كانوا من المسيحيين! الجريمة لا دين لها. وفي الحالتين، في النبعة وفي ساحل علما، القاتل الحقيقي هو الغائب. أي القانون. لن ينفع عائلة ميريام أشقر شيء بعد صباها، ولن يخفف من مأساتها الأبدية أن القاتل من دين آخر. لقد وقعت جرائم قتلة النبعة وساحل علما بهذه الوحشية وهذه السهولة وهذا الاستهتار، لأن القانون في لبنان هو التهمة، ومطبّقيه هم المعيَّرون المبهدَلون المؤنَّبون المعنَّفون، المطارَدون. ألم يكن قتلة النبعة يشعرون بالاحتقار للقانون وهم يخرجون كل يوم الى فرائسهم وكأنهم يخرجون الى وظيفة بلدية رتيبة؟
ليس من بلد خال من الجريمة، أو غابة خالية من الوحوش، لكن نوعيات الجرائم التي كشفت في الأيام الاخيرة، تبرز فيها وحشية الاستهتار. فنحن البلد الوحيد الذي يقرَّع فيه كل يوم القضاء، ويُطالِب سياسيوه بإلغاء الجهاز الأمني الأكثر فاعلية، وتُهاجَم فيه المحكمة العسكرية لأنها قاضت أو قضت خلافا لعاداتها.
في مثل هذا المناخ اليومي القائم منذ سنوات، يخيَّل إلى سفاكي النبعة انه لا ضرورة للذهاب الى العمل. كل ليلة سائق تاكسي وغلّته، وفي النهار يطلبون من الجيران التزام عدم الازعاج: رجاء بلا زعيق وقلّة أدب، دعونا ننام. رجاء.
حلّ بميريام الأشقر ما حلّ بها وهي عائدة من الصلاة. تخيّل نوعية المجرم. ولا ضرورة طبعاً لأن تتخيّل نوعية الضحية. الصبية التي لا تزال تطلب الخلوة إلى الله، في طمأنينة الكنيسة وسكينة الدير. والاصرار على الحضور. لم ينتق القاتل ضحيته من نهايات السهر بل من نهاية الصلاة والركوع.
في الجرائم المماثلة يترتب على الضحية جزء من مسؤولية: ثوب ما، او إثارة ما، او وقت ما. هنا، الوقت هو وقت الصلاة والثوب ثوب الصلاة وفي قلب ميريام انها كانت عند مريم الأم، تردِّد امامها التساعية مكرِّرة: تضرّعي لأجلنا.
كل يوم يسمع الوحش، ان هذه بلد سائب. كل يوم يسمع ان المتهم الوحيد هو القانون. كلما فقدت أُمٌّ ولدها وقف من يهدد: لا تسيّسوا الموضوع. يا عمي الموضوع مقتل شاب عائد الى منزله. ومثل ميريام اشقر سوف يتزوج بعد قليل. خذوا كل سياسات الارض واتركوا لتلك الأم ابنها. سياسة ماذا وتسييس مَن شاب يسقط على باب منزله؟ اسمحوا للأم على الأقل بالبكاء. امنحوها حق الحزن والهلع.
لا يدل ذلك على نفسية رافضي التسييس بل على حال الاغماءة الانسانية التي بلغتها البلاد. ولا يدل على انهم يرحبون بالجريمة، ولكن على ان المهم عندهم هو استنكار التهمة والدفاع عن المتهم. وعندما يصبح البلد مفتوحا امام جرائم لا متهم فيها، تنمو تلقائيا طحالب القتل السهل. او القتل المتسلسل. ويصير المطلوب هو القتيل والمارة حوله.
لا يجوز تجاهل انجاز الداخلية بالقبض على القتلة. وليست هي من يتحمل مسؤولية مناخ احتقار القانون في البلد، من الاشارات الضوئية الى الطريقة التي تقود بها النساء سياراتهن ويزعقن من الشبابيك، وغالبا اطفالهن على المقعد المجاور يتعلمون السلوك والادب والرقي.
ارتضى اللبنانيون، تحت باب لا حول ولا قوة، ان تمزِّق وحدتهم وهدوءهم الجريمة السياسية. لكن جرائم قتلة النبعة وساحل علما تستدعي الدراسة، لا التحقيق. ليس مهماً هنا العثور على القاتل فقط بل معرفة الدوافع التي تحمل قتلة النبعة على اعتبار القتل مجرد عمل يومي. ما الذي يجعل الاشقاء القتلة يعتقدون انه سوف يكون في امكانهم ذبح ضحية كل يوم، ثم شرب كأس عرق بالغلة التي كان يحملها الى اطفاله؟ ما هو السبب الذي يجعل شابا – أو أكثر – بدل ان يعمل سائق تاكسي ليعيش، يختار ان ينام ثم يفيق لقتل السائق العامل؟
كيف سينظر الانسان الى نفسه والى كرامته، عندما يعامل رئيس وزرائه بالطريقة التي يعامله بها حلفاؤه وشركاؤه؟ أو على الأقل الملقبون هكذا. وكيف يمكن ان ينظر الى مصيره، إذا كان رئيس الحكومة يقول إن وزير خارجيته لم يطلعه على الموقف الذي اتخذه لبنان في أهم قضية عربية مطروحة الآن؟ وما دامت قضيةَ سورية، فهي ليست عربية فقط بل لبنانية أيضا. وكيف يمكن ان يفكر المواطن العادي اذا اكتشف ان دولته غير قادرة على اتخاذ موقف واضح (دعك من الشجاعة) من مسألة وجودية مثل هذه المسألة، فيتغيّب الوزير المعني تاركا الحضور للسفير؟ الا يمثل السفير الدولة ويلزمها مثل الوزير او الرئيس او الحكومة مجتمعة؟ أليس من نهاية لهذا التشاطر البليد والمسطح؟
الذي تقوم به الجامعة العربية لا سابقة له في تاريخها، فهي تقرر فرض حصار اقتصادي حول دولة عربية رئيسية. وفي الماضي لم تكن تتفق على قرار إلا حيال الدول الهزيلة كلبنان. وفي كل القضايا التي طرحت عليها، كان لبنان هو الخروف الاسود في القطيع. وكان محمود رياض باشا يعطينا دروسا في المحافظة على ثلج صنين، بلهجته العسكرية الآمرة.
هذه المرة تلعب الجامعة ادواراً لم تحدث منذ غزو العراق للكويت. ففي الحالة الليبية هي التي مهدت لعملية التغيير التي قادها حلف شمال الاطلسي، وفي المسألة السورية تتصرف للمرة الاولى كهيئة تنفيذية لا كمجلس جمعي يكتفي بالخطابيات وتبرير البقاء. تقع كل هذه المتغيرات، وتحدث كل هذه الظواهر وسط هزات عربية تتغير معها ملامح المنطقة. فالمشروع القومي العربي الذي بدأ مع جمال عبد الناصر يأفل لحساب ظاهرة "اخوانية" تقدم نفسها بشيء من "الحداثة".
لكن جوهر الامور واحد وهو ان المشروع القومي المدني قد اخفق. لقد اعطي فرصة نصف قرن على الاقل لم يحقق خلالها النصر العسكري ولا الدولة المدنية. غرق في الفساد، وتمادى في التخلف، وحجب الحريات، ولم يؤمّن الرغيف. من اقصى المغرب الى ادنى المشرق، سلسلة من الاخفاقات والفشل، والشيء الوحيد الذي تضاعف هو عدد المواليد الذين بلا اي مستقبل. وفيما يعلن انه في الطريق الى فلسطين، دمر صدام حسين ثروات العراق في حروبه مع العرب وايران. وذهل معمر القذافي عندما طولب بعد 42 عاما بالذهاب: جراذين وزنقات. ورفع سيف الاسلام القذافي سبابته في وجه 5 ملايين ليبي، يحقّرهم ويوبخهم ويمننهم بأن والده علة الوجود.
لو عاش عبد الناصر لكان ضبط سلوك ذلك الارعن الشقي الذي سماه "أمين القومية العربية". كان ذلك كمن يصر على ان للشعر إمارة بعد احمد شوقي. لكن هذه، بلاد العرب اوطاني من بغداد الى تطوان. الالقاب أهم شيء. وليس مهماً ابدا ماذا تعني. الحقيقة هي الشعار وليس الحقيقة.
عندما اراد الحسن الثاني اشراك الناس في الحكم، نادى على الدكتور عبد الرحمن اليوسفي، آخر الوجوه القومية بعد علال الفاسي والمهدي بن بركة. الآن ينادي محمد السادس على زعيم حزب "العدالة والتنمية"، اللقب الجديد لـ"الاخوان". ثمة مرحلة آلت إلى نهاية محزنة. جاءت العروبة ولم تعرف كيف تبقى. جاءت الاشتراكية وأعطيت للباشاوات الافظاظ. جاء الضباط ولم يعرفوا كيف يخرجون من الثكن الى الوطن، ومن التحية الى الحرية. وكنت اتمنى لو كانت هناك كلمة مشجعة وسط هذا العتم المضرَّج. لا شيء. سوى تعزية الى والدة ميريام الاشقر، التي كانت تصلي طلبا لغد فيه ظلم أقل، ولأبناء سائقي التاكسي الذين ناموا بلا عشاء.
 

← العودة إلى مختارات