فلسطيننا - هاني فحص (السفير)
هاتفني السيد جبر الجابري رئيس الوفد العراقي الذي صوّت في باريس للعضوية الكاملة لفلسطين في اليونسكو. كنت ممتلئاً فرحاً للخبر الذي سمعته موصولاً بالربيع العربي، والاستمرار في ارتفاع الوصايات عن فلسطين، وعودتها الى وعي الأحرار والشرفاء من الشعوب الحرة.
تذكرت غسان كنفاني، وبدا لي القرار في باريس، فصلاً من رواية شرع في كتابتها لحظة شهادته. كما بدا لي قصيدة أخرى من قصائد محمود درويش التي كنا نقرأها في عينيه ملونة بألوان الأرض وذاكرتها والوطن وأحلامه، ونسمع إيقاع أوزانها طالعة من نبضات قلبه الموجوع بأبهى الأوجاع وأبدعها... ورأيت في كل ذلك علامات حرية للقرار الفلسطيني الذي يطال زمن الرغبات الآثمة بارتهانه... وتقدم البعث أو البعوث على كل الأحزاب والأنظمة العربية في هذا المجال.
تذكرت أدباء البعث في العراق أوائل السبعينيات وسخريتهم اللئيمة من حركة النضال الفلسطيني المصرّة على التوازن والاستقلال، واتهامهم لها بالخيانة ومسرحية «خيمة الكيلو 1010» التي كانت وقحة في هذا المجال. وتذكرت ما كنت أتعرض له من مضايقات ونظرات وعيد من جوقة البعث بسبب انحيازي للقرار الفلسطيني المستقل. وعندما جاءني صوت الشاعر الوكيل (أبو مدين) من باريس بعد التصويت، تدفقت على أذني وقلبي موجات من الفرح العراقي العميق البريء. فالعراقي الذي يكاد أن يكون ذاكرة مأساة لديه استعداد فطري جامح الى النسيان، يخرج به من حزنه وغضبه المعتق (على إهمال العرب لها في لحظات الشدة أيام البعث) الى فرحه بفلسطين واستعادة دوره في خدمتها... شكراً للعراق وأسفاً على الجيش الذي كان فزاعة الصهاينة فحوّله صدام الى فزاعة لأهله الذين كانوا يحبون جيشهم لأنه ممتلئ بفلسطين.
هل كانت فلسطين حاضرة، قضية وهدفاً، في عقل صدام حسين عندما قام بمغامراته عبر الحدود؟ حتى كان احتلاله الكويت وإخراجه منها، سبباً لتحالف عسكري (غربي - عربي) رضي بعض أطرافه باحتلال العراق منسجمين مع حلفائهم الاقليميين، ليساعدوا بعد ذلك في تنشيط الارهاب في العراق، تحت حجة مقاومة المحتل الأميركي، الذي كانت خسائره جراء ذلك ضئيلة أمام خسائر الشعب العراقي الشقيق؟!
لقد تضرر العراق قطعا من كل مغامرات صدام حسين خارج حدود العراق، فضلا عن جرائمه داخل العراق... وكانت فلسطين كذلك، ولم يكن «جيش القدس» الوهمي الذي اخترعه صدام، وبعض عطاءاته للشعب الفلسطيني في لحظة جوع عراقي، ليغير في الواقع شيئاً... ومن لم يقرأ حروب صدام بدقة، لا يستطيع أن يفهم لماذا كان مؤتمر مدريد؟ ثم لماذا سدت أبوابه ليبدأ الاستفراد بكل الاطراف، من «وادي عربة» الى «أوسلو» الى اندفاعات عدد من الانظمة العربية نحو إسرائيل... ومع إخراج صدام من الكويت بمشاركة معروفة، كانت الانتفاضة العراقية التي قد يكون لنا ألف تحفظ عليها، لكنها بعدما حررت ثلاث عشرة محافظة صارت على مقربة من بغداد، قضي عليها، عندما أصدر شوارزكوف من الصويرة أوامره للحرس الجمهوري المهزوم وسلاح الطيران العراقي المحظور، لسحق الانتفاضة، والتأسيس لاستمرار النظام أحد عشر عاماً في بيئة أميركية حاضنة، ضيقت بالحصار، وبالدواء والغذاء مقابل النفط على الشعب المظلوم، بينما بقي النظام الظالم على سرفه وتبذيره وإصراره على استخدام فلسطين شعاراً لتغطية انحرافاته وارتكاباته.
لقد استمر الغزل اللفظي المراوغ بفلسطين الى حد إغراء ثكالى العراق بالنظر اليها وكأنها ضرة أو عدوة، بعدما كان العراق قبل صدام مصدر رعب للصهاينة وطمأنينة للشعب الفلسطيني الذي مناه صدام بالسراب للتغطية على استبداده وفساده وإفساده ومغامراته العسكرية.
«القدس عروس عروبتكم»، عفواً يا مظفر، إني أنحاز الى القصيدة كلها شكلا ومضموناً وأرفع تحفظي الفقهي على بعض ألفاظها القبيحة لأن الواقع أيام كتابتها كان أشد قبحاً... فهل يتراجع القبح ويتقدم الجمال لفظا ومعنى؟ هكذا يعدنا الربيع العربي... عادت فلسطين قضية شعبها لا ممسحة لارتكابات الأنظمة.