إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

عن كمال جنبلاط وإليه.. - سعود المولى (المستقبل)

ليس كمال جنبلاط بالشخص العاديّ، هو شخص استثنائي بكل ما للكلمة من معنى.. واستثنائيته لا تتأتى فقط من تلك السياسات التي قادها في السيتنات أو السبعينات، أو من تلك المحطات السياسية التي تتحدث عنها ذكرياتنا معه ومعطيات ووقائع الحياة التي جمعتنا به.. استثنائية كمال جنبلاط تنبع من اشكاليات والتباسات السياقات التي حكمت تجربته وخياراته في تقاطعها مع استعداداته وتطلعاته.. فمسائل مثل العنف والقوة والثورة في مقابل السلم واللاعنف والاصلاح، ومثل العشائرية والمناطقية والطائفية في مقابل المساواة في المواطنية والحرية، ومثل العلمانية والالحاد والمادية في مقابل العرفان الروحاني والانسانوية، ومثل الاشتراكية والماركسية والليبرالية في مقابل الاشتراكية ذات الوجه الانساني والديمقراطية الاجتماعية، ومثل الكيانية اللبنانية في مقابل العروبة الجامعة الحضارية.. هذه المسائل هي التي تشكل برأيي المدخل الأصح والأنسب لقراءة راهنة لكمال جنبلاط...
انطلق كمال جنبلاط في كل ما قال وفعل من إيمان عميق بقيمة وأهمية وعالمية مسلك الحكمة والتوحيد (كما يسمي المذهب التوحيدي لطائفته).. فهو لم ينطلق من موقع الأقلية الدينية المذهبية القبلية في جبل لبنان ، بل من كون هذا المسلك قديماً متصلاً متجدداً.. فهو مسلك صوفي حكمي ذوقي نمشي اليه وننجذب في آن واحد.. فليتقي الطالب والمطلوب في جذب من فناء إلى بقاء، ومن عقل متبدّل إلى يقظة لا تبدأ ولا تتبدل ولا تزول.. هذا التوحيد المحض يسميه المعلم مسلك الأحدية، وهو ليس نظاماً دينياً، بل هو الحقيقة تشير وتقود إلى الحقيقة، فلا تدخل في أي اختلاف أو مشاحنة مع أي دين أو معتقد...ولا تختص بأي دين معين.. ولكن تتعداها جميعها، وهي في الواقع تتميم وتكملة لجميع الأديان، لا بل هي التي تعطي الحياة لجميع الأديان على ما يقول معلمه الفيدنتي أتمانندا...
كمال جنبلاط المتسامي عن الحياة ، المتسامي عن كل الأشياء، لأنه أنبل منها.. تخطى كل الحدود وحطم كل السدود، حتى تألق في سماء عليائه مع الشهداء والصديقين والأولياء.
سلك ما يشبه المسلك الصوفي أو رحلة الطريق الموحشة بلا زاد ولا ماء، في معارج الحقيقة.."وما أوحش الطريق لقلة سالكيه" (بحسب قول الإمام علي)، "والطريق اليه هو أن تنسى الطريق" (بحسب قول لجنبلاط).
وصف حاله والمقام قائلاً:
(أبيت فوق السحاب فموطني في الغيوم
وشُعلتي لا تُرى ونور عقلي يدوم )
كمال جنبلاط كان هو الفاهم لمعنى لبنان ولمعنى "التفاهم الديني المتشبّع بالمحبة والمتمكن بين الناس والذي يضفي التسامح ويوّلد الطمأنينة في النفوس" قبل انتقاله إلى النصوص..
وموقفه من الصيغة اللبنانية التوافقية ومن السبل الصالحة لحسن اشتغال نظامه السياسي ينبع من إيمانه بالقيم الانسانية السامية وعمله في سلوكه وفي سياسته على استنطاق هذه القيم الانسانية لإقامة "نظام حكم صالح ولبناء الدولة بعيداً عن النظام الديني الإلهي أو النظام الزمني لسلطة تحكم باسم عقيدة دينية أو قومية أو سياسية"...
وكمال جنبلاط هوالقدوة الصالحة لشباب اليوم إذ هو الملتزم بكل ما نادى به من قيم، وهو الجامع المزاوج بين القول والعمل وهو القائد المعلم المعطاء بسخاء وبدون حساب.. وهو القائد الحكيم الحصيف والمناضل العنيد الصامد المتحدي المقتحم.. وهو المتمثل قول الفيدانتا الهندية: "استيقظ، قم، ولا تتوقف، حتى تصل إلى الهدف"..
وهو القائل ايضاً: "أموت ولا أموت.. لا أبالي.. فهذا العمر من نسج الخيال"..
كأني به يستعيد قول الامام الحسين الشهيد (أو ابنه علي زين العابدين): "ما دمنا على الحق لا نبالي، وقعنا على الموت أم وقع الموت علينا".. وقد قام كمال جنبلاط ونهض واستنهض، ومشى مجاهداً ولم يتوقف حتى الموت الذي هو فناء وبقاء بالحق أو الحقيقة ، وبالجمال والكمال والمثال، وجنبلاط هو القائل أيضاً:

"وكان الحب من أنس وجن
هو الشوق القديم إلى المثال

← العودة إلى مختارات