إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

"الاستقلالية" الجديدة... مستقلة؟ - سركيس نعوم (النهار)

عقدت شخصيات سياسية مسيحية عدة "مستقلة" اجتماعها الاول في "مزار سيدة لبنان" في حريصا، يوم الاحد الماضي، واصدرت بياناً جاء فيه: "انطلاقاً مما يشهده لبنان وما يعصف بالمنطقة من تطورات خطيرة، وما تثيره من قلق عبّر عنه البطريرك الماروني بشارة الراعي ولا سيما مصير المسيحيين، وانطلاقاُ من موقع "استقلاليتنا"، نرى ان علينا الاضطلاع بدور مسؤول لبلورة مشروع وطني يتصدى للقضايا الجوهرية والاساسية خارج ذهنية الاصطفافات في سبيل دولة مدنية تعددية وصوغ عقد اجتماعي جديد...".
في هذا البيان القصير امور عدة تستحق التعليق، لا رغبةً في الانتقاد بل حرصاً على تلافي ايقاع اللبنانيين وتحديداً المسيحيين منهم في الاوهام، هم الذين عانوا من زمان ولا يزالون يعانون استغلال السياسيين الفاعلين لهواجسهم واستغلال الطامحين الى العمل السياسي لها لتحقيق اهدافهم. من هذه الامور، التأكيد على "استقلالية" المجتمعين. والمُدقِّق في اسمائهم يعرف ان قسماً مهماً منهم ليس مستقلاً سياسياً، وانه جزء من مشروع سياسي محلي او محلي – اقليمي يتضمن رؤية للوجود والدور المسيحيين في لبنان والمنطقة. هذه الرؤية الممارس بعضها من دول معينة تخالف التجربة التي عاشها اللبنانيون في السابق، والتي يعملون لاستعادتها والتي تشكل ممارستهم بحرية وجدية الدور الوطني العمود الفقري لها. ولا داعي لذكر الاسماء لأن الناس تعرفها. والقيادة المحلية للمشروع المذكور يمارسها "حزب الله" في حين يمارس النظام السوري القيادة الاقليمية له. فهل قرر المنضوون في القسم المذكور فعلاً، وانطلاقاُ من مسؤولياتهم المسيحية والوطنية، وضع مشروع انقاذي جديد لمسيحيي لبنان والمنطقة؟ ام انهم يحاولون بالاصطفاف الجديد انقاذ اصحاب المشروع الاساسي المذكور اعلاه من مصاعبهم؟ وهل يكون اصطفافاً دائماً ام مرحلياً شاهد المسيحيون واللبنانيون مثله سابقاً؟
ومن الامور التي تستحق التعليق ايضاً التبني غير المباشر في البيان الصادر عن اجتماع حريصا للقلق الذي عبّر عنه البطريرك الراعي بالنسبة الى موضوع المسيحيين، والتبني المباشر لدعوته الى صوغ عقد اجتماعي جديد والى إقامة دولة مدنية تعددية. طبعاً يقدّر كثيرون من اللبنانيين والمسيحيين قلق البطريرك ودعوته المشار اليها لأن لا خلاص لوطنهم من دون دولة مدنية ديموقراطية تعددية تساوي كل ابنائها. لكن التقدير لا يمنعهم من التساؤل عن الاصطفاف الحالي لـ"مستقلي" لقاء حريصا حول الراعي. فهل الهدف منه، ونظراً الى الانتماءات السياسية الواضحة لقسم كبير منهم، احاطة بكركي كي يستمر سيدها الجديد في "السياسة" التي كشف اقتناعه بها في فرنسا ثم في زياراته الراعوية داخل لبنان والتي يعتبر كثيرون انها لا تحمي المسيحيين ولبنان، ولا تمنع زعزعة استقرار البلاد واستهداف مسيحييها نهائياً؟ ام ان الهدف من "اللقاء المستقل" الجديد دفع البطريرك وبعد مواقف مغايرة واحياناً مناقضة لمواقف سابقة له الى العودة الى السابق إذا كان مقتنعاً به، وفي الوقت نفسه اشعار الفاتيكان بأن السياسة الجديدة لبكركي تحظى بقبول مسيحي واسع خلافاً لما وصل سيده من معلومات تفصيلية لبنانية كان لها دور مهم في "التغيير" جزئياً حتى الآن للموقف البطريركي؟
طبعاً هناك اسئلة اخرى كثيرة، ونحن نطرحها في هذه العجالة لا للطعن بالمحور الذي ينتمي اليه القسم المهم من "المسيحيين المستقلين" في لقاء حريصا، ولا لإظهار غرام بالمحور المعادي له، ولكن للفت المسيحيين "المستقلين" و"غير المستقلين" الى ان وضع لبنان خطير جداً والوضع المسيحي اكثر خطورة داخل لبنان وخارجه، والى ان مصلحة الاثنين ابتعاد الجميع عن توظيفهما خدمة لأجندات ومخططات متناقضة إلا في تأمين مصالح اصحابها، وإن على حساب الوطن الصغير و"شعوبه".
في النهاية يتساءل مسيحيون "مستقلون" آخرون عن معنى استقبال "مزار سيدة لبنان" في حريصا مسيحيي الراعي، وعن مغزى امتناع "سيدة الجبل" عن استقبال مسيحيي صفير قبل مدة؟ علماً ان ذلك كله، لا يعني ان بكركي الجديدة لا تستطيع ان تعتمد السياسة التي تراها اكثر فائدة للبنان. لكن ما يتمناه لبنانيون ومسيحيون ان تكون اي سياسة كهذه بعيدة فعلاً من الاصطفافات، وأن لا تكون رداً على سياسة البطريرك السابق صفير ومجموعته، وان يمتنع الجميع عن استعمال كلمة استقلال في غير موضعها.

 

← العودة إلى مختارات