إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

تقديرا لبيروت - ساطع نور الدين (السفير)

هي شهادة لبيروت وضمانة أيضاً. كان يمكن عواصم عربية عديدة أن تستضيف المؤتمر الذي تنظمه لجنة الاسكوا التابعة للأمم المتحدة حول الإصلاح والانتقال الى الديموقراطية في العالم العربي، لكنه كان يمكن أن يفقد بعضا من بريقه ومن غرضه، ويخسر الكثير من حياده.. ويترك لبنان في عزلته.
لم يحظ المؤتمر بالاهتمام اللبناني الكافي. هو منتدى للنخبة، جرى اختيار مندوبيه بسرعة ووفق مقاييس غير دقيقة. كان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مجرد راع للقاء ومشرف على تنظيمه، لكن لم تكن هناك أسماء بارزة، شاملة تغطي مساحة الوطن العربي أو على الأقل دوله التي أنجزت ثوراتها أو لا تزال تخوضها، لم يكن رمز عربي للإصلاح الذي بدأ فعلا، في المغرب على سبيل المثال، ولا في الانتقال الى الديموقراطية الذي بدأ حقاً في تونس. حضور مصر من خلال المرشح لرئاسة الجمهورية عمرو موسى، مؤشر وموقف. وغياب سوريا خلل وأشكال.
الأمم المتحدة تود ان تكون شريكا او على الاقل شاهدا على الربيع العربي، وهي بذلك تثير السؤال المحرج حول درجة التورط الخارجي في الثورات، وتوفر للأنظمة المستبدة التي لا تزال تقاوم، ذخيرة حية ضد معارضيها. حياد المنظمة الدولية وموضوعيتها لا يكفيان لتجنيبها الاتهام ولا يخدمان في دفع مسيرة الثوار. هي توفر فرصة لتبادل أفكار نخبوية، ضرورية في هذه المرحلة من عمر الثورة العربية الكبرى، لكنها لن تصل إلى الشارع أبدا.
اختيار بيروت مدعاة للفخر والاستفهام عما إذا كانت دمشق هي هدف المؤتمر وعنوانه الأبرز ورسالته الأقوى. خطاب الأمين العام للأمم المتحدة ونداؤه الموجه الى النظام السوري دليل دامغ. واعتماد وزير الخارجية التركية احمد داود أوغلو، ضيفا رئيسيا وخطيبا محوريا لا يدع مجالا للشك... الذي يقطعه غياب أي مندوب بارز عن المعارضة السورية، المهددة في بيروت كما في دمشق.
اختيرت بيروت لأنها الاكثر أمانا من بقية العواصم العربية التي عصفت او تعصف بها الثورات او تضربها الحروب الأهلية والإقليمية. وهذا رصيد ثمين يوضع في حساب كل لبناني، تلقى رسالة المؤتمر ودعوته الى الهدوء والحياد والمحافظة على الاستقرار اللبناني، والمشي قدما في البناء على فرضية ان الربيع العربي بدأ في العاصمة اللبنانية في العام ٢٠٠٥ وتجلى في انتفاضة على النظام السوري وأركانه اللبنانية، واعتمد الانتخابات والوسائل الديموقراطية لحماية تلك التجربة، على ما جاء في كلام الوزير التركي في السرايا.
المؤتمر يعتبر كما يبدو أن لبنان أنجز ثورته، ويرى أنه لم يعد هناك مبرر للخروج الى الشارع، لا من أجل تغيير نظامه، ولا من اجل إسقاط او إبقاء النظام السوري: ثمة نوع من الخوف الدولي والتركي على اللبنانيين من أنفسهم ومن حماستهم التقليدية المفرطة. ثمة تقدير عال لبيروت، وقرار واضح بأن تتحول الى مركز للمراقبة والمتابعة و«إعادة التفكير» حسب تعبير الوزير التركي.. لأن تخطي هذا الدور يضيف عقبة جديدة امام الربيع العربي الذي حل على لبنان منذ سنوات لكن احدا من اللبنانيين لم يستفد منه.

 

← العودة إلى مختارات