أين الحركة النقابية اليوم؟ - انطوان مسرّه (النهار)
في ظل المتطلبات الاجتماعيّة والاقتصادية، وفي وقت لا نشهد فيه نقاشًا عامًا حول الحركة النقابيّة أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، قام أكثر من ثلاثين طالباً وطالبة ماجيستر في ادارة الموارد البشرية في جامعة القديس يوسف، باشراف البروفسور انطوان مسرّه، ببحث ميداني حول: "حياة العمل النقابي في لبنان اليوم".
يخلص البحث الميداني الذي تمت مناقشته خلال اجتماع ضمّ الطلاب الى ثلاث نتائج رئيسة:
1. بزوغ منظمّات جديدة: هذه المنظمات يقظة على أهمية العمل النقابي ودوره على مستويات مختلفة وهي تنشط في إطار غير ملائم من أجل جمع الأعضاء (دونا ماريا شلهوب، كريستا الياس، فاطمة خليل، بيرلا وازن، سالي وهبة، ريتا ابو جوده...). تنعم منظمات أخرى، إضافة الى القيادة الناجحة، بالتزام واسع وجدي من قبل الاعضاء، الى جانب إمكانات مادية عالية، وهي تعمل بامكانات متوافرة، ولكن غالباً ما يصبّ عملها حصرًا في خانة المصلحة المهنية الآنية دون ابعاد الشأن العام (ريتا أبوجودة، صونيا شكر، علي فاضل، ساندي خوري، راشيل منصور، وجويل رزق...). تناضل منظمة مهنيّة من اجل انتخاب رئيس جديد وتواجه “إقفال العضوية” (ديالا خياط ) ومنظمة مهنيّة تعيش العوائق وديونًا ناجمة عن التأخير في دفع مستحقات متوجبة من صناديق تعاضد مؤسسات رسميّة (هدى الحلبي).
2. النقابات مجرّد امتداد للأحزاب أو عامل توازن؟ تفاجأ عدد من الطلاب من التصنيف الحزبي، خصوصاً من الإعلام، حول المرشحين للانتخابات النقابية.هل هذه المنظمات تشكّل مجرد امتداد للأحزاب أم أن دورها يختلف عن ذلك؟ ( رولا ضاهر، تانيا قازون...).
3. الذهنيّة المطلبية التقليدية وغياب الشأن العام: مشكلة ارتفاع الرواتب وتعديلها تلفت الانتباه مع انتشار ذهنيّة تقليدية في اللجوء الى الإضراب كوسيلة حصرية للتحرك والضغط (لويس عطيه، هادية بعاصيري، ليال شلهوب، سلمى غارب...). تنحصر الذهنية السائدة بالمعادلة التالية: إرتفاع الأجور يوازي تحسين الوضع المعيشي! غير أنه ليس من الضروري ان يحسّن ارتفاع الرواتب من الأوضاع المعيشية. من شأن هذه الذهنيّة النقابية أن تمحو بالكامل متطلبات السياسات الاجتماعيّة. العوامل التي تحسّن الأوضاع المعيشية هي السياسات العامة لوسائل النقل والتعليم والصحّة والتأمين...
أين اليوم السياسات الاجتماعيّة؟ وجدت معالجات جزئية لها، لكن على الطريقة اللبنانية، أي أصبحت سياسات محسوبيّة وزبائنية. من شأن ذلك تضليل العقول، لا سيما وسائل الإعلام المرئية التي أصبحت تجهل مفهوم السياسات العامّة. تنظّم اليوم مُنتديات وأبحاث جماعية حول اللامركزيّة والبلديات والقانون الانتخابيّ والأحزاب السياسيّة والمواطنيّة...، دون اعطاء اهتمام للحركة النقابية التي هي ركن للمجتمع المدني. في مجتمع متعدد البنية يبحث عن سبل للخروج من الحدود الطائفية، الاتحادات العمّالية هي عامل توحيد وتضامن وتخطٍ للطائفيّة. أسباب ثورة وموت التونسي محمد بو عزيزي، في 4 كانون الثاني 2011، والتحركات التي لحقت هي أسباب اقتصادية اجتماعيّة.
***
تتمتع الاتحادات العمّالية والمهنيّة في لبنان بتراث عريق يُشكّل ميزان ثقل في وجه مخاطر السيطرة الحزبية partitocratie. تستحق اليوم النقابات والهيئات المهنية في عمليّة الديموقراطيّة في لبنان وفي البلدان العربية كافة، أن تعطى اهتماماً كبيراً من قبل الباحثين والناشطين والفاعلين الاجتماعيين.